فهرس الكتاب
الدولة الإسلامية عند قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بعقد ما عرف بـ"وثيقة المدنية"التي تنظم الشأن الداخلي للدولة، وكان اليهود طرفًا رئيسيًا في هذه الاتفاقية، فقد أعطتهم حق المواطنة ما التزموا بالأنظمة والقوانين (المدنية) ، حيث أن الوثيقة لم تتعرض لهم"دينيًا"ولم تتدخل في شأنهم الديني"اليهودية"بل حمت حقهم في ذلك وتركته لهم يتعاملون معه وفق معتقدهم، وإنما بحثت الشأن المشترك بينهم وبين المسلمين، فقد جاء في الفقرة (25) من الوثيقة"أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتع إلا نفسه وأهل بيته" (47) .
بل أصبح اليهود -بهذه الوثيقة- جزء من المجتمع الإسلامي في المدينة فقد جاء في الفقرة (37) منها"وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم" (48) .
ولو كانت الدولة"دينية"خالصة للمسلمين، لما جاز إشراك غيرهم في شؤونها من المشاركة المالية والدفاع عنها، بل والتناصح والبر مع مواطنيهم"اليهود"، وحين تم إخراج اليهود من المدينة لم يكن بسبب دينهم"اليهودية"إذ لو كان هذا سببًا لتم إخراجهم من اليوم الأول، بل كان سبب إخراجهم هو نقضهم لوثيقة المدينة وخيانتهم لوطنهم (المدينة) وتآمرهم مع أعداء الدولة الذين كانوا يحشدون القوات لمهاجمتها، أي لـ (خيانتهم العظمى) كما يعبر عنه بالمصطلح السياسي والقانوني المعاصر.
والقول بـ"دينية"الدولة الإسلامية، يفترض أن الخروج عليها هو خروج على الدين، ولم يقل ذلك أحد ممن سبق من الفقهاء والعلماء والمسلمين، بل كانوا يعتبرون مواطنين خرجوا لأسباب سياسية وليست دينية، وهذا ما عبر عنه علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه- بشأن الخوارج الذين خرجوا عليه وحاربوه: فقال:"إخواننا بغوا علينا"، فلم ينظر إلى خروجهم باعتباره فعلًا دينيًا وإنما باعتباره فعلًا سياسيًا، تتم معالجته، بعيدًا عن ميدان الإيمان والكفر.
لذا لم تكن مشكلة الدولة (دينية أم مدنية) مطروحة خلال التاريخ الإسلامي، ولا نجد لها موقعًا في كتب التراث، فالفقهاء لم يفرقوا بين ما هو ديني وما هو مدني بالمنظور العلماني المعاصر، فحتى الأفكار"الدهرية"التي تقترب من الفكر العلماني المعاصر، لم تطرح (دينية الدولة) بصورة واضحة لعدم وجود المشكلة ذاتها ولأن النظام في ذلك الوقت كان يأخذ صبغة (الإسلامية) في كافة جوانب الحياة.
لكن هذه الفكرة ارتفعت عقيرتها في السنوات الأخيرة بسبب تصاعد موجة العودة للإسلام وبروز الاتجاهات والقيادات الإسلامية على الساحة السياسية والاجتماعية، ودخولها في مفاصل