فهرس الكتاب
مهمة من المجتمع، كالمجالس النيابية والوزارات ومؤسسات الدولة، فارتفعت الصيحات محذرة من الدولة الدينية، على الرغم من أن الباحثين والفقهاء، والعلماء المسلمين المتأخرين قد بينوا بصورة جلية موقف الإسلام من الدولة الدينية أو المدنية.
فهذا الشيخ محمد عبده -رحمه الله- يقول:"ليس في الإسلام ما يُسمى عند القوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الأفرنج"ثيوكراتيك"فإن عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله، وله حق الأثرة في التشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالتبعية وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان (49) ."
وهذا الشيخ رشيد رضا -رحمه الله- يقول:"الإسلام هداية روحية وسياسة اجتماعية مدنية، أكمل الله به دين الأنبياء وما أقام عليه نظام الاجتماع البشري من سنن الارتقاء، فأما الهداية الدينية المحضة فقد جاءت تامة أصلًا وفرعًا، وفرضًا ونفلًا إذا كان مدارها على نصوص الوحي، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالقول والفعل، وأما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الإسلام أساسها وقواعدها وشرع للأمة الرأي والاجتهاد فيها، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة، وأنها حافظة للدين ومصالح الدنيا، وجامعة بين الفضائل الأدبية، والمنافع المادية، وممهدة لتعميم الأخوة الإنسانية، بتوحيد مقومات الأمم الصورية والمعنوية، ولما طرأ الضعف على المسلمين قصروا في إقامة القواعد والعمل بالأصول، ولو أقاموها لوضعوا لكل عصر ما يليق به من النظم والفروع" (50) .
ويقول العلامة الشيخ/ يوسف القرضاوي:"إنها دولة مدنية تحكم بالإسلام، وتقوم على البيعة والشورى ويختار رجالها من كل قوى أمين، حفيظ عليم، فمن فقد شرط القوة والعلم، أو شرط الأمانة والحفظ فلا يصح أن يكون من أهلها، إلا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات" (51) .
لكن القول بمدنية الدولة الإسلامية، لا يعني مفهوم المدنية العلمانية التي سادت في الغرب ومعظم بلاد الشرق، والقائم على فصل الدين عن الدولة، أو عن نظام الحياة، بل مفهومه المدنية الإسلامية قائم على أن نظام الحكم في الإسلام نظام بشري يستمد مرجعيته الأساسية من القواعد العامة التي جاءت بها النصوص الشرعية، ولذا فإن كافة أعمالها ومؤسساتها تخضع لمبادئ النظم السياسية البشرية، كالمشاركة فيها والرقابة على أعمالها ومحاسبة القائمين عليها وتغييرها وفق