الصفحة 28 من 48

لكن ـ مثل ـ هذا الصراع لم ينشأ في التاريخ الإسلامي إلا في العصور المتأخرة حين حاول بعض الباحثين وأساتذة الفكر في البلاد الإسلامية تطبيق مفهوم السيادة ـ بصورته الغربية ـ مع البلاد الإسلامية متأثرًا بمدارس القانون الدستوري لديهم، ومحاولًا اصطناع صراع على السيادة بين الدين والأمة، وهو منهج يشبه ـ إلى حد ما ـ الصراع الذي نشأ في البلاد الإسلامية عبر التاريخ من خلال حول مفهوم"الحاكمية"الذي يمكن أن يشبه مفهوم السيادة في الفكر الغربي، حيث بدأ الخلاف منذ عصر الفتنة حين انتقلت الفكرة من جانبها السياسي لتصبح جزءًا من العقيدة كما هي عند الخوارج، فقالوا قولتهم المشهورة"لا حكم إلا لله"، وقد أدرك ألإمام علي رضي الله عنه، ومن معه دلالة الفكرة وأثرها على حياة المسلمين ومستقبلهم، إذ لم يكن الخلاف بينه وبين الخوارج أو مع غير ه ممن خالفه خلافًا عقديًا بل خلاف سياسي، لذلك رد عليهم بكلمته المشهورة"كلمة حق يراد بها باطل"فقد قرر مبدأ"الحاكمية"أي المرجعية العليا في كل شأن من شئون الحياة سواء كان من جانب العقيدة أو العبادة أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة أو غيرها، فإن مرجعيته إلى الله، لا كما فهمها الخوارج بأن كل أمر"تفصيلي"مرجعه إلى الله.

ولم تكن مسألة الحاكمية هي المسألة السياسية الوحيدة التي انتقلت إلى العقيدة أن في تلك المرحلة. بل كانت هناك مسائل أخرى مثل"الأمامة"عند الشيعة إذ عدّوها من قضايا العقيدة، وألزموا بوجوب الإيمان بها، وعلى الرغم من هذه الخلافات إلا أن مفهوم"الحاكمية"أو"السيادة"كمفهوم سياسي لم تكن تدور حوله خلافات كثيرة، إذ كانت الشريعة الإسلامية هي السائدة بصفة عامة في حياة المسلمين وخاصة في أحكامهم وأقضيتهم وشئون حياتهم، ولم ينازعها في ذلك قانون أو نظام آخر، ولذلك كان ينظر إلى مفهوم السيادة أو"الحاكمية"نظرة واحدة باعتبار الشريعة الإسلامية هي المصدر الذي تشْتق منه الأحكام فمصادر الشريعة الأصلية وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والمصادر الفرعية أو المختلف منها كالإجماع و القياس و المصالح المرسلة أو غيرها من المصادر الفرعية، كانت هي السائدة في التشريعات والأحكام، إذا لا يوجد مصدر آخر تؤخذ منه الأحكام، وما وقع من خلاف بين الفقهاء، إنما كان داخل هذه الدائرة

ولهذا كان مصطلح"الحاكمية"ومفهومها ـ كمرجعية عليا ـ واضح الدلالة لدى الفقهاء قال الإمام ألآمدي ـ رحمه الله ـ"أعلم أنه لا حاكم سوى الله ولا حكم إلا ما حكم الله به". (53)

وقال الإمام الغزالي"لا حكم ولا أمر إلا الله، أما النبي صلى الله عليه وسلم والسلطان والسيد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان لكل مخلوق أوجب على غيره شيئًا كان للموجب عليه أن يقلب عليه ألإيجاب إذ ليس أحدهما أولى من ألآخر، فإذا الواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله طاعته. (54) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت