وإذ كانت هذه الرؤية واضحة عند الفقهاء قديمًا، فإن ـالصراع ـ حول مفهوم السيادة أو الحاكمية تجدد في العصور المتأخرة، لأسباب تاريخية يرجع بعضها إلى غياب المؤسسة الإسلامية الحاكمة المعبرة عن الشريعة الإسلامية (الخلافة ـ الإمارة ـ الدولة ـ الجمهورية) ونشوء حركات ودعوات تسعى لعودة السياة للشريعة من خلال نظام إسلامي يجعل الحاكمية أو السيادة للشرع، لكن الخلاف وقع أيضًا في دلالة و مفهوم مصطلح"الحاكمية"فقد تشدد بعض المفكرين، والباحثين، كأبي الأعلى المودودي وسيد قطب رحمهما الله، في مفهوم الحاكمية وفاضت كتاباتهما بدلالات هذا الفهم للحاكمية، بل طوّر سيد قطب ـ رحمه الله ـ"مفهوم الحاكمية إلى درجة عالية في فكرة السياسي حتى أصبحت كلمة لا إله إلا الله تعني أن الحاكم الوحيد هو الله جل شأنه وأن السلطة له، وهو رحمه الله لم يميز في هذا بين معنى حاكمية الله في الحكم السياسي، وبين حاكميته جل شأنه للحكم الكوني، أو القضائي، بل فعل كما فعل المودودي حين جعل حاكمية الله في مواجهة حاكمية البشر المتناقضة والمتضاربة والمتعارضة مع عبودية الله جل شأنه وألوهية الله للبشرية، فألغى المودودي أي دور للفرد أو الجماعة في الحاكمية، غير دور التلقي والتطبيق باعتبار أن الله وحده هو الحاكم. (55) "
وعلى الرغم من الدراسات والردود والإيضاحات التي بينت الرؤية من الحاكمية، إلا أن هذا المفهوم مازال سائدًا عند طائفتين إحداهما تجعل من الحاكمية منهجًا لعملها السياسي إذ بنت فكرها وسلوكها وتصرفاتها على فكرة الحاكمية حتى وصلت عند البعض حد التكفير للمجتمع بل ومحاربته ومقاومته لأنه استولى على"الحاكمية"وصرفها عن مدلولها الحقيقي ـ كما يفهمونه ـ ولذا وجبت محاربتهم ومواجهتهم ولو بالقوة، وقد رأينا آثار هذا الفكر ظاهرةً في بعض الأقطار الإسلامية وفي حركات العنف التي اجتاحت أرجاء واسعة من تلك الأقطار.
وعلى الطرف الآخر يقف الرافضون لفكرة النظام السياسي الإسلامي بزعم أن هذا النظام لا يجعل للأمة د ور في صياغة شؤنها وأنه نظام أحادي لا وجود للرأي الآخر فيه و يحمل الناس على غير ما يشتهون، وإنه سيفرض العقوبات والحدود على أفراد الشعب حتى ولو كان بينهم مواطنون من غير المسلمين!!، ويستند هؤلاء على دعواهم تلك بالقول إنه لا توجد فكرة لسيادة الأمة في النظام السياسي الإسلامي، وإن"الحاكمية"هي الفكرة المسيطرة على هذا النظام وهي فكرة تقوم على التفويض الإلهي.
ومن هنا فإن هذا الخلل في الفهم للسيادة في النظام الإسلامي والخلط بين سيادة الأمة والحاكمية قد أدى إلى غياب الرؤية الإسلامية الواضحة لطرح النظام السياسي الإسلامي كنظام قابل للتطبيق في البلاد الإسلامية، و لعل في مقدمة ما يجب تحريره هو مفهوم"الحاكمية"كمشروعية عليا في