الصفحة 30 من 48

النظام السياسي الإسلامي، (56) حتى يحسم الخلاف حولها، ثم تحديد دور الأمة في التشريع و مدى سيادتها على التشريعات الحاكمة للشأن العام، فقد اتجه الفقهاء المسلمون في العصر المتأخرة في رؤيتهم للسيادة إلى ثلاثة آراء:

الأول: أن السيادة لله عز و جل دون أن يكون لأحد غيره من الشعب أو الأمة أي صورة من السيادة، و هذا ما رأيناه عند القائلين بأن الحاكمية لله.

الثاني: السيادة المزدوجة: و يقوم هذا الرأي على أن السيادة لله فيما ورد فيه نص قطعي من الكتاب و السنة، و ما لم يرد فيه نص، أو نص يحتمل التأويل، فإن السيادة تكون لجماعة المسلمين (الأمة) .

و الواقع أن هذا الرأي ـ مع وجاهته ـ تشوبه بعض العيوب، و منها فكرة أن التقسيم التي ربما أدت إلى إشكالية المساواة بين الطرفين، و هذا يوقع في خلاف عقدي أكثر منه خلاف سياسي، أما الأمر الثاني فإن الأحكام القطعية من الكتاب و السنة لا خلاف عليها، و على وجوب العمل بها، و ليس هناك حاجة للاجتهاد فيها، أما الخلاف محل الاجتهاد فهو في دلالات النصوص وفي الحوادث و القضايا المتجددة ـ و كما أشرنا سابقًا ـ فإن معظم أحكام النظام السياسي الإسلامي ليست نصوصًا قطعية، بل هي مستنبطة من القواعد العامة التي جاءت بها النصوص و الإعمال فيها يكون من خلال الاجتهاد الذي يتولاه أهل الاختصاص، و الذي يكون معبّرًا عنه بأهل الحل و العقد، والتعبير المعاصر من خلال ممثلي الأمة الذين يتم اختيارهم أو انتخابهم لتولي هذه المسألة نيابة عن الأمة و يمارسون السيادة للأمة في ظل الشريعة الإسلامية الحاكمة للجميع

الثالث: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن السيادة للأمة، فهي صاحبة السيادة و منبع السلطات في الدولة الإسلامية، و أصحاب هذا الرأي لا يقولون بإطلاق السيادة للأمة فهي مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية، فإذا خالفت السيادة هذه الأحكام فقدت أساس مشروعيتها، و يتبين من هذا الرأي أن السلطة لا تستند إلى تفويض إلهي، كما أن تصرفات الحاكم و المؤسسات الدستورية الأخرى مقيدة بأحكام الشريعة، و هذا الرأي أقرب إلى النظام الديمقراطي، إلا أنه يختلف عنه بالإطار العام للسلطة و القواعد العامة التي تتيح الاجتهاد ضمنها، أما في النظام الديمقراطي فإنها غير مقيدة بأي إطار، فللأمة مطلق الحق في أن تقر ما تشاء، حتى و لو خالف القواعد الإنسانية القائمة على الفطرة البشرية مثل التشريعات المنظمة للعلاقة بين المحارم أو غيرها من القوانين التي تخالف الفطرة البشرية عدا عن مخالفتها للشرائع الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت