الصفحة 13 من 31

جاز رميها من نصف الليل، أو بعد الفجر، فرمي الجمار الثلاث في الأيام التالية

أولى بأن يوسع الوقت لها، وهذا مقتضى قياس الأولى.

وهذا قياس مردود أيضا، وذلك من جهتين: ـ

(1) أن يوم العيد فيه أعمال كثيرة بخلاف أيام التشريق.

أن البيان حصل في كل يوم على وجه، فلا يصح قياس هذا على هذا إذ البيان في حكم

المنصوص، ولا قياس مع نص، وقد سبق ذلك عند الكلام عن البيان للمجمل بالفعل وحكمه

(4) ... حديث ابن عباس ـ رضى الله عنه ـ وفيه أن رجلًا سأل النبى ـ صلى الله عليه

وسلم ـ يوم العيد فقال: رميت بعد ما أمسيت. فقال: ـ \"افعل ولا حرج \"، وهو نص

صريح في جواز تقديم رمي الجمار قبل الزوال،

أوتأخيرها عن هذا الوقت، فيجوز رميها في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، أشبه النحر

والحلق.

(5) أن ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرمي قبل الزوال لا يدل على عدم جوازه

فيه، كما ترك الوقوف بعرفة بعد العشاء إلي طلوع الفجر وهو وقت له.

وهذاالاستدلال، يُسقطه حديث عروة بن مضرس وفيه أنه قال: ـ

\"أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمزدلفة حين خرج إلي الصلاة فقلت: ـ"

يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من

جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

\"من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا"

، فقد تم حجة وقضى تفثه \""

فقد بين هذا الحديث أن الوقوف الذي وقفه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجزئ، بل

ويجزئ أقل منه، إذا وقفه في الليل، لكن إذا وقف بالنهار وجب عليه أن يبقي بعرفة

جزءا من الليل، فجواز الترك لبقية يوم عرفة، جاءت القرينة ـ وهي الخبرـ فدلت على

جواز تركه.

ونظير هذا جميع العبادات المفروضة التي وسع الله وقتها كالصلاة، فإن العبد يطالب

بإسقاطها في أي جزء من وقتها، لا أنه يطالب بإقامة الصلاة مثلا طوال وقتها، غير

أنه لا يجزئه أن يأتي بها قبل دخول الوقت المحدد لها.

(6) أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رمى يوم النحر ضحى وفي الأيام الثلاثة بعده

رمى بعد الزوال، وهذا إعلام منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسعة الوقت، وأن هذا وهذا

مشروع للأمة فعله، ولكنه أجل العمل به إلى وقت الحاجة، فمن قال باختصاص الجواز

بيوم العيد فهو مطالب بالدليل.

والجواب على هذا الدليل يتلخص في ثلاث نقاط: ـ

أولًا: ـ

أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ داوم على الرمي بعد الزوال في الأيام الثلاثة، ولو

كان فعله لبيان سعة الوقت، لرمى في بعض الأيام بعد العصر، وفي بعضها عند المغرب،

ولكن مداومته على الرمي بعد الزوال تدل على أن مقصوده ليس بيان سعة الوقت، إذ لو

كان المقصود ذلك لفعله مرة ثم رجع إلي الأفضل، ولكن مداومته عليه تدل على أن هذا

هو الواجب وأنه لا يجزئ الرمي قبله.

ثانيًا: ـ

يطالب المجيز بالدليل، وهو معروف، فالدليل كما سبق أن فعل النبي ـ صلى الله

عليه وسلم ـ بيان والبيان يتبع المبين في الحكم، وقد رمى في يوم العيد جمرة

العقبة ضُحى، فكان هذا بيان منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأذن للضعفة أن يرموها قبل

ذلك، وهذا أيضا بيان، وكذلك ِفعله في أيام التشريق بيان لوقت الرمي في هذه الأيام

، فكان كل رمي بحسبه، وقد سبق بحث مسألة البيان للمجمل.

ثالثًا: ـ

كيف يطالب المجيز بالدليل، لإثبات عدم الجواز، مع أن هذا خلاف القواعد،

فالقواعد تقتضي أنه لا عبادة إلا بنص، وهذا يعني أن الأصل في العبادات المنع

حتى نجد دليلًا عليها، لا أننا نطالب بدليل على عدم مشروعيتها، ومع هذا فقد سبق

الدليل على ذلك، وهو فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي في القواعد الفقهية: ـ

وليس مشروعًا من الأمور ... *** ... غير الذي في شرعنا مذكور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت