** المبحث الرابع **
** موقفنا من رأي القائلين بالجواز **
أولًا: ـ ... ما نقل عن عطاء وطاووس بالجواز مطلقًا: ـ تبين لي بعد البحث الجاد
في كتب السنن والآثار والمصنفات، أن ما ورد عنهما مما تناقلته كتب الفقه لا سند له
يعتمد عليه.
ثم وجدت أن أقوالهما تُنقل أحيانًا بالجواز مطلقًا، وأحيانًا أخرى بالجواز مقيدا
بالجهالة عن عطاءً، ـ كما سبق ذكره ـ فمن نقله عنهما مطلقًا ابن حجر في الفتح
والبدر العيني في عمدة القارئ، وممن نقله مقيدًا بالجهل عن عطاء محب الدين
الطبري وقد سيق إيراد الآثار التي تثبت أن عطاء عمل بخلاف المنقول عنه، كما أفتى
بخلافه أيضا، وأن طاووسًا فعل هذا وهذا مما يدل على جواز الأمرين عنده.
ثانيًا: ـ ما نقل عن ابي حنيفة في غير ظاهر الرواية: ـ
غير ظاهر الرواية أدنى درجة من المشهور من ظاهر الرواية، وعلماء المذهب على أنه
أدنى اعتبارا من المشهور عند التعارض، ولذلك جزموا في هذه المسألة بأن المذهب
هوالرواية المشهورة، وأما الرواية غير المشهورة، فخلاف ما يفتى به في المذهب
الحنفي.
وممن لم يعتمدها وشنع عليها أخواجان، وقد ذكرأن أهل الكتب الموثوقة للحنفية
نقلوها من باب الرواية والعلم، لا من باب اعتمادها و الأخذ بها، لأنها خلاف
المفتى به عندهم، وقد قال في رده لهذه الرواية مبينا عدم اعتمادها أو العمل بها:
ـ
\"وقد تقرر في كتبنا أنه لا يُعدل عن العمل بظاهر الرواية إلا إذا صُحّح خلافه في"
كتاب مشهور تلقته الفحول بالقبول كالهداية والكافي \"."
وخلاصة هذا الخلاف عند الأحناف، هو الأخذ بالمعتمد رواية ومذهبًا، لاسيما وأن
غيرالمشهور من ظاهر الرواية اختلف فيه، فمن ذاهب إلي أنه يشمل جواز الرمي قبل
الزوال في جميع الأيام، ومن ذاهب إلي أن ذلك يختص بيوم النفر كما سبق بيانه، ولا
ننسى أن نذكر هنا أننا نتكلم عن اليوم الأول خاصة، ولكننا ندخل فيه الكلام عن
الرمي قبل الزوال في الجميع، لضرورة نقل الأقوال من الكتب التى ذكرت حكم الرمي
عمومًا، واليوم الأول منها فيشمله حكمها، ولأن الأحناف اختلفوا في تأويل غير ظاهر
الرواية، اختلافًا يوجب ذكر هذا التفصيل.
ثالثًا: ـ ما روي عن بعض الحنابلة وبعض الشافعية وغيرهم من العلماء: ـ
فقد نقل عن بعض الحنابلة جواز الرمي قبل الزوال كما سبق ومنهم: ـ
(1) ابن الزاغواني في منسكه.
(2) ابن الجوزي.
ولم ينقل عنهم أدلة ذلك، إلا أن أهل المذهب رفضوا أقوالهم، واعتبروها خارجة عن
المذهب.
ونقل عن بعض الشافعية ومنهم: ـ
(1) ... الإسنوي.
(2) ... الرافعي.
(3) ... الإمام ا لجويني.
كما نقل عنهم صاحب التحفة.
ولم يذكر عنهم أدلة كذلك.
ونقل عن غير هؤلاء ومنهم: ـ
(1) أبي جعفر علي بن محمد الباقر.
(2) عكرمة.
(3) ابن طاووس.
(4) عطاء في إحدى الروايتين عنه وطاووس كذلك.
ولعل أدلة هؤلاء هي نفس الأدلة السابقة.
الخلاصة: ـ اجتمع معنا في اليوم الأول على جواز الرمي قبل الزوال إمام من الأئمة
الأربعة، وجمع من علماء المذهب الشافعي، وجمع من علماء المذهب الحنبلي، وبعض
التابعين العالمين بمناسك الحج، الذين انتهى إليهم الافتاء في مواسمه، كعطاء بن
أبي رباح، وطاووس وغيرهما.
وبالرغم من أن أدلة الجمهورأقوى، إلا أن أدلة غير الجمهور لها حظ من النظر، بحيث
يمكن القول بأنها أخرجت المسألة إلى حيز الخلاف المعتبر، وقد سبق بيان ذلك في صدر
البحث، حينما ذكرنا الأئمة الذين أوردوا الخلاف في المسألة، وهذا مما يُعطي