مجالًا لاعتبار هذا القول وعدم إهماله، لاسيما أنه قول عمل به في بعض العصور كما
نقله أحد أئمة الحنفية ـ وقد سبق ـ وفي عهد ابن الزبير، وإن خالفه
ابن عمر، لورود ذلك صريحا عنه كما في الموطأ بسند صحيح رواه مالك عن نافع عن ابن
عمر: ـ
\"لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس \".
ومما يزيد هذا القول قوة، ما ذكرناه عند الكلام عن البيان، والذي ثبت أنه يشتمل
على الواجبات والمندوبات، بما يُعطي مجالًا لاحتمال كون الوقت الذي رمى فيه، رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مندوبًا، وأن جميع الليل والنهار وقت للرمي، وهذا
مقتضى قياس مذهب الحنابلة في جعل كل يوم عرفة صالحًا للوقوف، وغير ذلك مما ذكرناه
عند الكلام عن الأدلة التي اعتمد عليها المجيزون.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن موقفنا من هذه المسألة يتلخص في نقطتين: ـ
الأولى: ـ
مراعاة خلاف القائلين بجواز الرمي قبل الزوال، لما في بعض أدلته من النظر المعتبر
، الذي يتوقف الذهن عنده، بحيث يظن المخالف أن الحق قد يكون معه، وهو ما يسميه
العلماء (قوة المدرك) قال الجهرزي في المواهب السنية على نظم الفرائد البهية: ـ
\"قال التاج السبكي: ـ فأن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودا من الهفوات"
والسقطات لا من الخلافيات، ونعني بالقوة: ـ وقوف الذهن عندها، وتعلق ذي الفطنه
بسببها، لا انتهاض الحجة، إذ لو أنتهضت لما كنا مخالفين لها أ. هـ ثم قال:
ـ لا نظر إلى القائل، بل إلى قوله وقوة المدرك وضعفه، وهو مما لا تنتهي إلى
الإحاطة به إلا الأفراد، وقد يظهر الضعف أو القوة بأدنى تأمل، وقد يحتاج إلى تأمل
وفكر، ولابد أن يقع هنا الاختلاف في الاعتداد به، ناشئا عن أن المدرك قوي أو ضعيف
\"أ. هـ"
فهكذا قرر السبكي أن مراعاة الخلاف مستحبة، ولو لم تنتهض حجته عند المخالف، إذ لو
لو انتهضت لما حصل خلاف أصلا، وظهر من كلامه أن الخلاف الذي لا يقف الذهن عنده لا
اعتبار به، كما قال القائل: ـ
وليس كل خلاف في الشرع معتبر ** ... إلا خلاف له حظ من النظر
ومراعاة الخلاف تقتضي عدم تجهيل المخالف أواتهامه ببطلان عمله في ذاته، ولكن
يقال له: عملك هذا باطل عندنا، لأنه يخالف الفعل الواجب في نظرنا، وإن كان
صحيحًا عندك، وقد كان هذا هو منهج الأئمة ـ رحمهم الله ـ حيث كانوا يقولون: ـ
قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ولذلك قل الشقاق بينهم،
وعذر بعضهم بعضا فيما أداه إليه اجتهاده، وسنذكر مثالًا على ذلك، من خلال جواب
لابن حجر الهيتمي الشافعي ـ رحمه الله ـ، على سؤال وجه إليه، وهذا نصه: ـ
\"وسئل رحمه الله تعالى بما صورته: ذكر الإمام النسفي الحنفي في المصفى، أنه"
يجب علينا إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا في الفروع أن نجيب، بأن مذهبنا صواب
يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب، أي بناءً على أن المصيب في الفروع
واحد، وغيره مخطئ مأجور. ... فهل صرح أصحابنا
بمثل ذلك؟ وهل منعهم الاقتداء بالمخالف حيث ارتكب مبطلا مقتض لذلك؟، وهل يسوغ
للمفتي أن يفتي بمذهب مخالفه؟، وذلك بأن يفتي الحنفي بعدم وجوب الزكاة في مال
موليه، أو ليس له ذلك؟، بل ولا بالوجه الضعيف المرجوح عند الشيخين، ويقال: إن
بيان الحكم للمستفتي المخالف بنحو ذلك، إنما هو من الرواية وحكاية مذهب الغير، لا
الإفتاء المتوقف على الاعتقاد، تفضلوا ببيان ذلك، وبسط الكلام ونقل مالهم فيه
تصريحا وتلويحا فإن المقام قد يخفى على كثير حتى توهم بعض المتفقهة أن القول بخطأ
المخالف، واعتقاد بطلان صلاته مناف لكونه على هدى من ربه عز وجل. فأجاب: ـ نفعنا
الله تعالى به بقوله: ـ
(نعم صرح أصحابنا بما يفهم ذلك لا بقيد الوجوب الذي ذكره ففي العدة لابن الصباغ:
ـ كان أبو إسحاق المروزي وأبو على الطبري يقولان: ـ إن مذهب الشافعي ـ رضى الله
عنه ـ وأصحابه أن الحق في واحد، إلا أن المجتهد لا يعلم أنه مصيب وإنما يظن ذلك.
أ. هـ
وإذا كان المجتهد لا يعلم الإصابة وإنما يظنها، فمقلده أولى، ومعلوم أن الظن
يقابله الوهم وهو احتمال الخطأ، فنتج أن المجتهد يظن إصابته ويجوز خطأه وأن مقلده
كذلك، وحينئذ يلزم ما ذكره عن النسفي.
ومما يصرح بذلك أيضا، مراعاة الشافعي ـ رضى الله عنه ـ وأصحابه خلاف الخصوم في