مسائل كثيرة، فذلك تصريح منهم بأنهم أنما يظنون إصابة ما ذهب إليه إمامهم، وأنهم
لا يقطعون بخطإ مخالفيه، وإلا لم يراعوا خلافهم، فلما راعوه علم أنهم يجوزون
إصابته الحق، وإن كان الأغلب على ظنهم أن الحق هو ماذهب إليه إمامهم، وماأحسن قول
الزركشي: قد راعى الشافعي ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة،
وهذا إنما يتمشى على القول بأن مدعي الإصابة لايقطع بخطإ مخالفه، وذلك لأن المجتهد
لما كان يجوز خلاف ماغلب على ظنه، ونظر في متمسك خصمه، فرأى له موقعا راعاه على
وجه لايخل بما غلب على ظنه، وأكثر من باب الاحتياط والورع، وهذا من دقيق النظر
والأخذ بالحزم.
قال القرطبي: ـ
ولذلك راعى مالك ـ رضي الله عنه ـ الخلاف، قال: وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة
الخلاف، وهو جهل أو عدم إنصاف، وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف، وإنما راعى خلافا
لشدة قوته \"أ هـ."
هذا جزء من جوابه، وفيه كلام آخر ردا على بعض الإشكالات والاعتراضات، ضربنا عنها
صفحا، لدلالة المنقول على المقصود.
الثانية: ـ
وهو الخروج من الخلاف، فالخروج من الخلاف مستحب كما صرح بذلك الأئمة الكرام ـ رحمة
الله عليهم أجمعين ـ، والخروج من الخلاف يكون بفعل الأحوط، والأحوط هو القول
الأشد، قال الزركشي في المنثور: ـ
\"يستحب الخروج من الخلاف، باجتناب ما اختلف في تحريمه، وفعل ما اختلف في وجوبه"
، إذا قلنا: ـ كل مجتهد مصيب، لجواز أن يكون هو المصيب، وكذا إذا قلنا: ـ إن
المصيب واحد، لأن المجتهد إذا كان يجوز خلاف ماغلب على ظنه، ونظر في متمسك مخالفه
،فرأى له موقعا، فينبغي له أن يراعيه \""
وقال السبكي: ـ
\"أفضليته ليست لثبوت سنة خاصة فيه، بل لعموم الاحتياط والاستبراء للدين، وهو"
مطلوب شرعا مطلقا، فكان القول بأن الخروج من الخلاف أفضل، ثابت من حيث العموم،
واعتماده من الورع المطلوب شرعا \""
وقد نظم هذه القاعدة بضوابطها العلامة / السيد أبي الأهدل اليمني الشافعي في
الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية فقال: ـ
ومستحب الخروج يا فتى ... ... من الخلاف حسبما قد ثبتا
لكن مراعاة الخلاف يشترط ... ... لها شروط ولها الأصل ضبط
ألا يكون في الخلاف موقعا ... ... ولم يخالف سنة لمن دعا
صحت وكونه قوي المدرك ... ... لاكخلاف الظاهري إذ حكي
قال الجرهزي في شرح هذه الأبيات: ـ
\"ذكر أئمتنا ـ رحمهم الله أجمعين، ونظمنا في سلكهم ـ هذه القاعدة، وقرروها"
وفرعوا عليها فروعا جمة، واستنبط التاج السبكي لها أصلا من الكتاب، وهو قوله
تعالى: ـ (ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) ثم قال:
ـ لايخفى أنه أمر باجتناب بعض ماليس بإثم، خشية الوقوع فيما هو إثم، فيكون
الاحتياط حينئذ أن نجعل المعدوم كالموجود، والموهوم كالمتحقق انتهى، قلت: ـ
دلائل الاحتياط الحملي كثيرة، كقوله تعالى (وخذوا حذركم) (ولياخذوا أسلحتهم)
وكقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) \""
ومن أبرز الأمثلة على هذا، ما ذكره الإمام الشافعي في كتابه الأم، حيث قال: ـ
\"فللمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلًا"
بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونها وأما أنا فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاث احتياطا
على نفسي \". انتهى."
فهذا الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يحتاط لنفسه فيترك القصر في المسافة التي رأي
قيام الأدلة على صحتها، ويأخذ بالأحوط، خروجا من الخلاف.
قال الزركشي في المنثور: ـ
\"أفتى فيما قامت الدلالة عنده عليه، ـ أي من مرحلتين ـ ثم أحتاط لنفسه اختيارًا"
لها \". ا هـ."
وقد ذكر في كتب الفروع كثيرًا من الأمثلة على ذلك، منها ما كرره ابن قدامة مرا رًا
في المغني، فقال في أحدها: ـ
\"والغسل لكل صلاة أفضل ـ يعني للمستحاضة ـ لما فيه للخروج من الخلاف، والأخذ"