ويظهر هذا النص فيما يبدو أيضا فكرة عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT )) والتي يمكن إجراؤها في استصلاح الأراضي الصحراويةأو ما شابه ذلك. ولعله قد تبين من الأمثلة السابقة أن نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT )) لم يكن غائبًا عن فكر الفقهاء القدامى، حينما تناوله ضمن النوازل التي يمكن أن تقع استشرافًا للمستقبل. وهو ما يؤكد صحة الفرضية الأولى.
سبق القول في مقدمة هذا الفصل أن أحد الباحثين المعاصرين نبه إلى أن نظام BOT يصلح أن يكون تطويرًا غربيًا لبعض أساليب تثمير أموال الوقف، وخص بالذكر تلك التي استحدثها الفقهاء المتأخرون، والتي تُعْرَفُ بالأساليب غير التقليدية. وهذه القضية تشير إلى علاقة هذا النظام BOT بالوقف وفيما يلى بيان ذلك.
أولا: تعريف الوقف [1] :
يعرف الوقف عند الجمهور بأنه {وهو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره، على مصرف مباح موجود، أو يصرف ريعه على جهة بر وخير، تقربًا إلى الله}
ثانيًا: أساليب تثمير أموال الوقف وتقويمها
كان الوقف منذ نشأته يفي من ريعه بنفقات إعماره، وأجرة ناظره، ليتبقى من ريعه ما يفي بحاجة الموقوف عليهم بحسب شرط الواقف. بيد أن الوقف بمرور الوقت يتوهن، ولظروف أخرى يتعرض للخراب كما حدث منذ ما يقرب من نصف قرن حين أتت الحرائق على أغلب الأوقاف في بلاد الأناضول أثناء الحكم العثماني، حيث عجز الوقف عن إعمار ما لحق به من خراب، فضلًا عن تحقيق عائد يلبي حاجة الموقوف عليهم. وهنا نظر الفقهاء في استحداث أساليب لم تكن مألوفة لإعادة تعمير هذه الأوقاف، وقد سُمّيت هذه الأساليب بالأساليب غير التقليدية، مثل: الحكر، والإجارتين، والمرصد ... أضف إلى ذلك ما تم استحداثه مؤخرًا في تمويل العمليات الوقفية كالاستصناع، والمشاركة المتناقصة، والإجارة المنتهية بالتمليك , والإجارة التمويلية. وفيما يلي نبذة مختصرة عن أهم هذه الأساليب:
(أ) الحكر: يطلق عليه الحكرأو الإحكارأو الاستحكارأو التحكير، وهو عقد إجارة يقصد به إبقاء الأرض الموقوفة في يد المستأجر الذي يسمى محتكرًا مادام يدفع أجر المثل [2] وقد يحصل التحكير بإذن متولي الوقف للمستأجر بأن يبنى، أو يغرس ليكون له حق القرار فيه بعد تمام عقد الإجارة، ويتم ذلك عن طريق الاتفاق على إعطاء أرض الوقف الخالية لشخصأو مستثمر، لقاء مبلغ يقارب قيمتها باسم أجرة معجلة ليكون له حق القرار الدائم على تلك الأرض، ويتصرف فيها بالبناء والغرس وغير ذلك من وجوه الانتفاع المقررة، كما يلتزم أيضًا بأجرة سنوية ضئيلة تشير إلى بقاء الأرض في ملك الواقف مع مراعاة أن تقدير الإيجار في الحكر يكون بالنظر إلى قيمة الأرض خالية، أما عن ملكية البناء الذي يحدثه المستحكر فهي ملك له، وليست لصاحب الأرض [3] .
(1) ابن عابدين (محمد أمين) : حاشية رد المحتار على الدر المختار، شرح تنوير الأبصار، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، 1326 هـ، المجلد الثالث، صـ 391.
(2) ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار، مرجع سابق، الجزء الخامس، صـ 27.
(3) يكن (زهدي) : الوقف في الشريعة والقانون، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1388 هـ، صـ 122.