3.التعبد لله تعالى: إن الدعوة إلى الله عزوجل وإلى دينه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فينوي الداعية التعبد له سبحانه حتى لا تبقى عملًا روتينيًا، أو وظيفةً دنيويةً، بعيدًا عن العلاقة بالله تعالى, كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: (( يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) ) [المزمل:6] فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص على ذلك التعبد الذي أمر به في هذه الآية الكريمة، قيام الليل، وترتيل القرآن الكريم، وما خلا قلب داعية، أو دعوة من نية التعبد إلا كانت الدعوة وظيفية روتينية، وعملًا مجردًا، خاليًا من ارتباطه بالمولى عز وجل، ولا شك إن من أسباب فشل كثير من الدعوات بُعدها عن التعبد لله تعالى في عملها الدعوي.
4.وضوح الرؤية والهدف: فالأنبياء والرسل كلهم جاءوا برسالة واحدة, وهي نقل العباد من عبودية الطاغوت إلى عبودية الله تعالى, وإخراجهم من الظلمات إلى النور, كما قال تعالى: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ) [النحل:36] .
ومما يجب على الدعوات أن تعرف أن أهم ما يدعى إليه الناس هو توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة, وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام مصداقًا لقوله تعالى: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) ) [نوح:3] ، ثم يدخل في الدعوة إلى الله ببقية الشرائع.
ولقد كان هدف الدعوة واضحًا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم, وحينما جهر بالدعوة فقد دعا الناس إلى التوحيد, كما جاء في الحديث: عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) )وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ, خَرَجَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا, فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ! فَقَالُوا: مَن هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ, فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا, ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) )وَقَدْ تَبَّ كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [1] .
وهكذا كان هدفه صلى الله عليه وسلم واضحًا لدى عرض الدعوة على الوفود، كما جاء في
(1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب سورة (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ) [المسد:1] برقم (4971) ، وصحيح مسلم, كتاب الإيمان، باب: في قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] ، برقم: (208) .