وما أرسل من نبي إلا بلسان قومه, ليكون أدعى إلى فهم قومهم, كما قال تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ) [إبراهيم:4] .
كما يجب على الداعي أن يختار الكلمات الواضحة في الدلالة, ويجتنب الكلمات التي تحتمل معاني حقة وباطلة, كما كان اليهود يستعملونها, وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى: (( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) ) [النساء:46] , وأمر المؤمنين أن يحذروا من هذه الكلمات, فقال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) [البقرة:104] .
وعلى الداعي أن يتلطف بالقول، فيستعمل في كلامه ما يرغب المدعو إلى استماع كلامه, كما قال تعالى مخاطبًا موسى وهارون عليهما السلام: (( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ) [طه:44]
وكما خاطب إبراهيم عليه السلام أباه: (( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) ) [مريم:45] .
فهذا الأسلوب غاية في التطلف والتلين في القول, فاستعمل إبراهيم عليه السلام رابطة الأبوة التي من شأنها أن تجعل الابن حريصًا على مصلحة الأب, وتجعل الأب جديرًا بأن يصغي إلى خطاب ابنه.
ولكن التلطف في القول لا يعنى المداهنة, أو النفاق, أو إبطال الحق, أو إحقاق الباطل, وإنما هو تشويق للمدعو لقبول الحق وإعانته على القبول.
أنواع القول: وللقول في المجال الدعوي أنواع؛ منها: الخطبة, والدرس, والمحاضرة, والمناقشة, والنصيحة الفردية وغيرها [1] .
-فالخطبة تكون عادةً لجمع من الناس قد لا يعرفهم الداعي أو يعرف بعضهم, ويستحسن أن يكون موضوع الخطبة مما له علاقة في أحوال الناس. ويستعمل الآداب التي ذكرها العلماء للخطبة حتى تعم الفائدة المرجوة منها.
-والدرس في الغالب يكون شرحًا لآية من القرآن, أو لحديث النبي صلى الله عليه وسلم, أو
(1) ينظر: كتاب أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، ص:452 - 460.