فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 90

وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ, فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً, وَكَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا, فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا, سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا. فَأَخْبَرْنَاهُ. قَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ, فَأَقِيمُوا فِيهِمْ, وَعَلِّمُوهُمْ, وَمُرُوهُمْ, وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا, وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي, فَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ, وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ [1] .

وقال في الحج: خذوا عني مناسككم فعن عن جَابِر رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [2] .

وفي مسند أحمد عَن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «دَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ, وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ, فَأَرَاهُمْ مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ, وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ, وَقَالَ: لِتَاخُذْ أُمَّتِي مَنْسَكَهَا, فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا» [3] .

خلاصة الكلام في هذا الباب أن يكون الداعي صاحب خلق طيب، كما قال تعالى عن نبيه: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [القلم:4] , وقالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن, حينما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [القلم:4] الحديث [4] . وقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) [5] .

وأن لا يخالف فعله قوله, لأن موافقة العمل للقول من أوصاف عباد الله المتقين, وإن النفوس البشرية مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولهذا حذر الله المؤمنين من مخالفة فعلهم لقولهم، فقال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف:3] , ولهذا قال شعيب لقومه: (( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ) [هود:88] , فليحرص الداعية على

(1) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة, برقم: (631) .

(2) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم: (1297) .

(3) مسند أحمد، برقم: (3/ 335) .

(4) مسند أحمد، برقم: (6/ 91) .

(5) مسند أحمد، برقم: (2/ 381) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت