فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 90

فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ [1] .

قال النووي: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ الله: «هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي صِفَة التَّغْيِير, فَحَقُّ الْمُغَيِّر أَنْ يُغَيِّرهُ بِكُلِّ وَجْه أَمْكَنَهُ زَوَاله بِهِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا ; فَيَكْسِر آلَات الْبَاطِل, وَيُرِيق الْمُسْكِر بِنَفْسِهِ, أَوْ يَامُر مَن يَفْعَلهُ, وَيَنْزِع الْغُصُوبَ وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْحَابهَا بِنَفْسِهِ, أَوْ بِأَمْرِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ وَيَرْفُق فِي التَّغْيِير جَهْده بِالْجَاهِلِ وَبِذِي الْعِزَّة الظَّالِم الْمَخُوف شَرّه ; إِذْ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُول قَوْله. كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُون مُتَوَلِّي ذَلِكَ مِن أَهْل الصَّلَاح وَالْفَضْل لِهَذَا الْمَعْنَى. وَيُغْلِظ عَلَى الْمُتَمَادِي فِي غَيّه, وَالْمُسْرِف فِي بَطَالَته; إِذَا أَمِنَ أَنْ يُؤَثِّر إِغْلَاظُه مُنْكَرًا أَشَدّ مِمَّا غَيَّرَهُ لِكَوْنِ جَانِبه مَحْمِيًّا عَن سَطْوَة الظَّالِم. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدّ مِنْهُ مِن قَتْله أَوْ قَتْل غَيْره بِسَبَبٍ كَفَّ يَدَهُ, وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْل بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظ وَالتَّخْوِيف. فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّب قَوْله مِثْل ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ, وَكَانَ فِي سَعَة, وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنْ وَجَدَ مَن يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ اِسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَار سِلَاحٍ وَحَرْبٍ, وَلْيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى مَن لَهُ الْأَمْر إِنْ كَانَ الْمُنْكَر مِن غَيْره, أَوْ يَقْتَصِر عَلَى تَغْيِيره بِقَلْبِهِ. هَذَا هُوَ فِقْه الْمَسْأَلَة, وَصَوَاب الْعَمَل فِيهَا عِنْد الْعُلَمَاء وَالْمُحَقِّقِينَ خِلَافًا لِمَنْ رَأَى الْإِنْكَار بِالتَّصْرِيحِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ قُتِلَ وَنِيل مِنْهُ كُلّ أَذَى. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ الله [2] .

د- التبليغ بالعمل: ونقصد به إقامة مشروع دعوي من بناء مسجد, أو مدرسة, أو مكتب دعوي, أو مركز إسلامي, وهكذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلقي الدروس في المسجد, ويلقى الوفود فيه، ويوجه الصحابة منه, فبناء مثل هذه المشاريع من الوسائل المفيدة للدعوة.

هـ - التبليغ بالقدوة: من الوسائل المهمة الدعوية التبليغ بالقدوة, فالسيرة الطيبة للداعية, وأفعاله الحميدة, وأخلاقه الحسنة؛ أسوة طيبة، وقدوة نموذجية لغيره من المدعوين, ودعوة عملية للإسلام, لأن التأثر بالأفعال, أبلغ من التأثر بالكلام. وإن الإسلام انتشر في كثير من بلاد العالم بالسيرة الحسنة للمسلمين, وكانت سيرهم دعوة صامتة إلى الإسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا بالقدوة كما كان داعيًا بالقول والعمل, ولذا أمر الله تعالى الأمة التأسي به, كما قال تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) ) [الأحزاب:21] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على الاقتداء به، فقال عن الصلاة: صلوا كما رأيتموني أصلي. كما جاء في الحديث: عَن أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان, برقم: (49) .

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 2/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت