فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 90

والحاصل: أنه ما من نوع من الابتلاء إلا نال الحبيب صلى الله عليه وسلم منه نصيبًا، لكونه القدوة عليه الصلاة والسلام الذي علَّم الأمة درس الصبر والرضا والشكر على المحن.

وكذلك أوذي أصحابه أشد أنواع الأذى في هذا الطريق فعلى سبيل المثال قصة بلال, وعمار وسمية, وصهيب, والمقداد, في المسند عَن زِرٍّ عَن عَبْدِ الله قَالَ: أَوَّلُ مَن أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَبُو بَكْرٍ, وَعَمَّارٌ, وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ, وَصُهَيْبٌ, وَبِلَالٌ, وَالْمِقْدَادُ, فَأَمَّا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ الله بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ, وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ, وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُم الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ, فَمَا مِنْهُمْ إِنْسَانٌ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا, إِلَّا بِلَالٌ فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي الله, وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ, فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ وَأَخَذُوا يَطُوفُونَ بِهِ شِعَابَ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ [1] .

وكم من صحابي قدم مهجته لإعلاء كلمة الله, فإليك هذه القصة التي رويت عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَن ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن الْأَنْصَارِ يُقَالُ لهُم الْقُرَّاءُ فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ, وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِد, وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ, فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ, فَقَالُوا: اللهمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا. قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِن خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ, فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللهمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا [2] .

وغيرها من القصص كثيرة من أراد تفاصيلها فليرجع إلى مظانها في كتب الحديث والسيرة.

وكذلك التابعون ومن بعدهم من السلف الصالح قد ابتلوا ابتلاءً عظيمًا؛ فالإمام مالك رحمه الله ابتلي عندما أفتى ببعض الفتاوى، والإمام أحمد ابتلي في مسألة خلق القرآن. وكذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله فقد جرت له محن في السجن، وغيرهم كثير.

وهكذا حصل ويحصل لكل داعية أراد النصح لهذه الأمة، ولكن ليعلم أنه لا يلزم أن يكون الابتلاء من جنس ما سبق ذكره بالحبس والضرب ونحو ذلك، فقد يكون بالفقر والمرض وتسلط

(1) مسند أحمد (1/ 404) .

(2) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، برقم: (677) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت