فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 90

شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمعن منه شيئًا، قال: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيَّ حين غدوت إلى المسجد كرسفًا فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته، قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسفٍ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولًا حسنًا، فأعرض عليَّ أمرك، قال: فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولًاَ قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، قال: فأسلمت، وشهدت شهادة الحق [1] .

ومن هنا على الداعي ألا يتأثر بما يلصق فيه من التهم والسخرية، فله سلف وأيما سلف: رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

ولا يعني هذا ألا يدرس النقد الذي يسمعه، بل عليه دراسته؛ فإن وجد فيه فائدة استفاد منه، وإلا تركه ولا يأبه به، فهو شاهد له بحسن سيرته وسلوكه, فهذا سنن المرسلين والعلماء والدعاة.

-الإغراءات: وقد تأتي الإغراءات الدنيوية من مال أو منصب أو بعض التسهيلات بغية فتنتهم، كما قدم كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم بعض هذه الأشياء، فذكر ابن هشام نقلًا عن ابن إسحاق بروايته عن محمد بن كعب القرظي: قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا، لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا

(1) السيرة النبوية لابن هشام, 1/ 390 - 391.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت