يعرفون الحرية الحقيقية ولا العدل الحقيقي ولا العقائد الحقيقية، فقد قالوا إجابات كثيرة متناقضة وأعطوا مبررات كثيرة متناقضة، وعاشوا ولا زالوا يعيشون على التناقض والظنون والآراء وليس الحقائق الفكرية، بل إن العقل العلماني يقدم أحيانًا مبررات منطقية علمانية تقول إن المصلحة الشخصية للفرد هي في النفاق أو البخل أو التعصب العرقي أو الكسل أو الأنانية وهي أمور اتفق عقلاء البشر على خطئها ورفضها، فبعض العلمانيين يقولون النفاق هو الطريق المختصر للوصول للمناصب والأموال، وهذا واقع معروف وكلنا سمع من له هذه العقلية العلمانية ويقدم أدلة واقعية أن هذا الفرد نافق فوصل إلى أعلى المناصب وهكذا وسيجد في العقلية العلمانية، أدلة منطقية تثبت أن الصدق يؤدي إلى أضرار ونفور وعداوات وأن الأفضل هو الكذب أو المجاملة أو الصمت، ونذكر هنا مثالًا يوضح تناقض العقول البشرية فيروى أن جحا وابنه وحماره كانوا يسيرون في طريق، فسمع من يقول من الناس إن هذا الرجل وابنه أحمقان، لماذا لا يركب أحدهما على الحمار، فركب جحا، وبعد مسافة سمع من يقول إن هذا الأب قاسي القلب حيث يركب هو ويترك ابنه يمشي، فنزل جحا وأركب ابنه فسمع بعد مسافة من يقول إن هذا الابن عاق لأنه يترك أباه يمشي ويركب هو، فركب هو وابنه الحمار، فسمع من يقول إن هذين ليس في قلبهما رحمة حيث إنهما يرهقان الحمار والمقصود من هذه الحكاية أن العقل البشري قادر على مدح وذم أي حالة وأي قرار وأي عقيدة وأي نظام وسيجد لكل رأي أو عقيدة أو قرار أو نظام مؤيدون ومعارضون مؤيدون يرون أنه الحق ومعارضون يرون أنه الباطل وهذا هو الجنون العلماني والضياع العلماني والعجز العلماني، وهذا يفتح بابًا لا ينتهي من الجدل والنقاش البيزنطي فهذا يستشهد بقول الفيلسوف الأول، والثاني يستشهد بقول الفيلسوف الثاني، والثالث يقول هذا رأيي وهذه أدلتي وهكذا مما جعلهم لا يتفقون حتى على حقيقة فكرية واحدة مع أن عمر العلمانية الحديثة عدة قرون، وعمر العقل العلماني الآلاف من السنين، قال الرازي"لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا"
وقال:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا