مثل هذه الآراء لا وقت عند علماء المادة حتى لسماعها، فالعلم المادي بشقيه الإحيائي والتكنولوجي يعتمد على حقائق لا أراء ولا مبررات عقلية متناقضة، فعندما يقولون غليان الماء عند 100 درجة مئوية حقيقة، فإنه لا أحد يستطيع أن يعارض، فالعلمانية أعطتنا مبررات منطقية وثبت أنها متناقضة وحاول الفلاسفة وضع معايير عقلية لتحديد الحق والصواب فقالوا: لنأخذ الحرية والعدل والمنفعة والسعادة ... الخ، ومن الصعوبات التي واجهتهم أن هناك تناقض بين هذه المعايير ومنها أن هذه أهداف عامة لا اختلاف حولها، فلا يوجد عاقل يقول أن هدفي هو التعاسة أو الظلم، وأنها مقياس لتحديد الحق من الباطل، ومن التناقض في هذه المبادئ: أن العلمانية الرأسمالية أعطت وزنًا أكبر لقضايا الحرية مما جعل وزن العدل يقل في حين أن العلمانية الشيوعية فعلت العكس، فالحرية تجعل الناس يتفاوتون في ثرواتهم وحظهم من الغنى والفقر فقد يسكن فرد منهم قصرًا به مئات الغرف، وينام الآخر في العراء، في حين أن الشيوعية تحرص على نفس السكن أو مساكن متقاربة ولا تعتبر هذا يعارض الحرية الشخصية بل لا تعتبر تملك الثروة الهائلة بل المعتدلة من الحرية أصلًا، والمشكلة أنه ليست عندنا حرية أو عدل فقط بل هناك مساواة ومصلحة جماعة ومصلحة فرد ومصلحة شعب، وهناك السعادة والرحمة والمنفعة"المصلحة"والإخاء والاحترام والحب والإبداع والتمتع والراحة النفسية والعزة والرفاهية والاستقرار والتملك والراحة الجسدية واللذة، وهذه وغيرها أهداف نريد أن توصلنا لها عقائدنا ونظمنا ومفاهيمنا وقوانيننا ونريد أن نصل إلى نظام صحيح يحقق التوازن الصحيح بين هذه الأمور، فلا نتطرف في ماديات ولا روحانيات ولا غرائز وهذه الأمور أهداف متداخلة مع بعضها، وأحيانًا متناقضة واقتناع العقول البشرية بأهميتها كلها أو بعضها أمر مختلف فيه كما أن إعطاء أوزان لها أمر مختلف فيه حتى لو تم الاتفاق على بعضها أو كلها كعناصر معيارية فقد تكون الانتخابات تعطي حرية ولكنها قد لا تعطي عدلًا، وقد يخسرها المخلصون والعلماء وينجح بها المنافقون والجهلاء، أما إذا حددنا مواصفات دقيقة تمنع ترشيح الجهلاء والمنافقين فإن هذا معناه تقليل حجم الحرية، فالبعض لن يكون من حقه الترشيح أو حتى الانتخاب، بحث العلمانيون والفلاسفة هذه القضايا فقالوا لنعتبر الشيء حقًا وصوابًا إذا حصل على اتفاق الأغلبية أي من خلال التصويت وما عداه خاطئ، وقال آخرون لنجعل معيارنا للحق السلطة سواء كانت أبًا أو أمًا أو حكومة، وقال آخرون إن مقياس الحقيقة هي أن نعيش تجربة عملية، ثم نستنتج بعدها حقائق هذا الواقع وقال غيرهم لنجعل المصلحة هي