وبعضهم كريم، وبعضهم بخيل، وبعضهم يحسن لمن أحسن إليه، وبعضهم يقابل الإحسان بالإساءة، فلا يمكن أن نستنتج حقائق فكرية، فالنتائج متناقضة في حين أن كل ماء يغلي عند 100 درجة مئوية في الظروف العادية، كما أننا حتى لو أخضعنا شعبا لتجارب فكرية بأن نجعله يطبق الرأسمالية لخمس سنوات، ثم الإسلام ثم الشيوعية: ونكتب مشاهداتنا واستنتاجاتنا فإن ذلك لن يوصلنا إلى حقائق فكرية لأن التصرفات ستكون متناقضة ومختلفة فهناك عوامل كثيرة ستؤثر في هذه التجارب مثل: نوعية الشعب، والظروف المحيطة ومن هم لجنة التحكيم؟ وهل تصرف الناس بإخلاص أو أظهروا خلاف ما نشاهد منهم وغير ذلك. قال الأستاذ العقاد:"أما العلوم الطبيعية"المادية"نفسها فليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية، لأنها: من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع واحد من الموجودات" [1]
2 -لا يختلف البشر حول الحقائق المادية في الطب والزراعة والكيمياء والهندسة، فالجامعات والمدارس في الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية، وفي روسيا الشيوعية، وفي الدول الإسلامية تدرس نفس الحقائق المادية، وهي متفقة عليها، فعلماء الفيزياء على سبيل المثال متفقون على ما يعتبر حقائق مادية في علم الفيزياء، وأثبتوا ذلك من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج، في حين أن الاختلافات الفكرية بين المتخصصين في العلوم الفكرية كبيرة ولا يوجد حولها اتفاق فكري عالمي، أو حتى محلي، فهناك من يقول عن الرأسمالية أنها حق وصواب وهناك من يقول عنها باطل وخطأ وكذلك الأمر بالنسبة للإسلام والشيوعية والبوذية والهندوسية والنازية والعلمانية والتصوف والإلحاد ... الخ فالعالم كان ولا زال مختلفًا أشد الخلاف فيما هو حقائق فكرية، بل لم يتفق البشر حتى يومنا هذا على صواب نظام اقتصادي أو اجتماعي، بل حتى لم يتفقوا على تعريف واحد للحرية، أو للعدل، مع أننا نعيش في آخر القرن العشرين: ولدينا آلاف الجامعات والمفكرين قال د. ألكسيس كاريل:"إن كلا من الملحد والروحاني يتفقان على تحليل قطعة صوديوم كلورايد (الملح) ، ولكن شتان بين رأييهما حول الذات الإنسانية" [2]
(1) ص 135 الجفوة المفتعلة بين العلم والدين الأستاذ محمد علي يوسف
(2) ص 102 الدين في مواجهة العلم الأستاذ وحيد الدين خان