الصفحة 20 من 25

الأساس الثامن: التبليغ:

وهو الأساس الأخير الذي تكتمل به دوائر التعامل مع القرآن الكريم، وبه تتحقق الربانية للمسلم، فلن يبلغ المسلم أن يكون ربانيا إلا إذا تعلم ما يجهل، وعمل بما تعلم، وعلَّم ما تعلم، قال تعالى:"وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ". آل عمران: 79.

ولا يقبل الإسلام من المسلم ـ فضلا عن الداعية ـ أن يكون صالحا في نفسه وكفى، بل لابد أن يعمل الخير وينفع الغير؛ ولهذا قال تعالى:"وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِ". الأعراف: 170.

يقول الأستاذ سيد قطب في تفسير هذه الآية:"إن الصيغة اللفظية: {يمسكون} . . تصور مدلولًا يكاد يُحس ويُرى. . إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة. . الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه. . في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت. . فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر. . إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون «الواقع» هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكومًا بشريعة الله!"

والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة. . والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونًا إلى الشعائر يعني مدلولًا معينًا. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه. . والإشارة إلى الإصلاح في الآية: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} . .

يشير إلى هذه الحقيقة. . حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملًا، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين.

وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني. . ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت