فرض حج بيت آخر غير الكعبة، أو أن القرآن عارضه طائفة من العرب، أو غيرهم بكلام يشابهه، ونحو هذه الأمور، لكنا نعلم كذب هذا الكاذب، فإنا نعلم انتفاء هذه الأمور بانتفاء لازمها، فإن هذه لو كانت، مما يتوفر الهمم والدواعي على نقلها عامة لبني آدم، وخاصة لأمتنا شرعًا.
فإذا لم ينقلها أحد من أهل العلم فضلا عن أن تتواتر، علم أنها كذب.
ومن هذا الباب نقل النص على خلافه علي [1] فإنا نعلم أنه كذب من طرق كثيرة، فإن النص هذا لم ينقله أحد من أهل العلم بإسناد صحيح فضلا عن أن يكون متواترًا، ولا نُقِل أن أحدًا ذكره على عهد الخلفاء؛ مع تنازع الناس في الخلافة، تشاورهم فيها يوم السقيفة، وحين موت عمر وحين جُعل الأمر شورى بينهم في ستة أيام، ثم لما قتل عثمان واختلف الناس على علي، فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقول الرافضة من أنه نص على علي نصًا جليًا قاطعًا للعذر عَلِمه المسلمون، لكان من المعلوم بالضرورة أنه لابد أن ينقله الناس نقل مثله، وأنه لابد أن يذكره الكثير من الناس، بل أكثرهم في مثل هذه المواطن التي تتوفر الهمم على ذكره فيها غاية التوفر، فانتفاء ما يعلم أنه لازم يقتضي انتفاء ما يعلم أنه ملزوم، ونظائر ذلك كثيرة.
ففي الجملة الكذب هو نقيض الصدق، وأحد النقيضين يعلم انتفاؤه تارة بثبوت نقيضه، وتارة بما يدل على انتفائه بخصوصه.
والكلام مع الشيعة أكثره مبني على النقل، فمن كان خبيرًا بما وقع وبالأخبار الصادقة التي توجب العلم اليقيني عَلِم انتفاء ما يناقض ذلك يقينًا، ولهذا ليس في أهل العلم بالأحاديث النبوية إلا ما يوجب العلم بفضل
(1) يعنى ما يدعيه الرافضة من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نص على خلافة علي بعده.