لربك إذا وليت علينا فظًا غليظًا؟ فقال: أبالله تخوفني؟ أقول: وليت عليهم خير أهلك [1] .
فإذا كان أهل الحق مع عليّ فمن الذي يغلبه إذا كان الحق معه، وهب أنهم إذا قاموا لم يغلبوا، أما كانت الدعاوى المعروفة في مثل ذلك توجب أن يجري في ذلك قيل وقال، ونوع من الجدال، أوليس ذلك أولى بالكلام فيه من الكلام بولاية سعد؟ فإذا كانت الأنصار بشبهة لا أصل لها طمعوا أن يأتمر سعد فمن يكون فيهم المحق؟ ونص الرسول الجلي كيف لا يكون أعوانه أطمع في الحق؟ فإذا كان لم ينبز متكلم منهم بكلمة واحدة في ذلك ولم يدع داع إلى عليّ لا هو ولا غيره. واستمر الأمر على ذلك إلى أن بويع له بعد مقتل عثمان فحينئذ قام هو وأعوانه فطلبوا وقاتلوا، ولم يسكتوا حتى كادوا يغلبوا، فعلم بالإضطرار أن سكوتهم أولا كان لعدم المقتضى لا لوجود المانع، وأن القوم لم يكن عندهم علم بأن عليًا هو الأحق؛ فضلا عن نص جلي، وأنه لما بدا لهم استحقاقه قاموا معه مع وجود المانع، وقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - أبعدهم عن الممانعة من معاوية بكثير كثير، لو كان لعليّ حق فإن أبا بكر لم يدع إلى نفسه، ولا أرغب ولا أرهب، ولا كان طالبًا للرئاسة بوجه من الوجوه، ولا كان في أول الأمر يمكن أحد من القدح في علي كما أمكن ذلك بمقتل عثمان، فإنه حينئذ نسبه كثير من شيعة عثمان إلى أنه أعان على قتله، وبعضهم يقول خذله، وكان قتلة عثمان في عسكره، وكان هذا من الأمور التي منعت كثيرًا من مبايعته، وهذه الصوارف كانت، منتفية في أول الأمر، فكان جنده أعظم، وحقه إذ ذاك - لو كان مستحقًا - أظهر، ومنازعوه أضعف داعيًا، وأضعف قوة، وليس هناك داع قوي يدعوا إلى
(1) رواه ابن جرير في تاريخه بسند صحيح انظر 2/ 433.