الصفحة 46 من 55

الملك، ويقولون: هذا من العظم، وهذا ليس من العظم، أي أقارب الملك.

وإذا كان كذلك فتولية أبي بكر وعمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - دون عمه العباس وبني عمه عليّ وعقيل، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب وغيرهم، ودون سائر بني عبد مناف كعثمان بن عفان وخالد بن سعيد وغيرهم من بني عبد مناف، الذين كانوا أجل قريش قدرًا وأقرب نسبًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعظم الأدلة على أن محمدًا عبد الله ورسوله وأنه ليس ملكًا حيث لم يقدم في خلافته أحدًا لا بقرب نسب، ولا بشرف بيته، بل إنما قدم بالإيمان والتقوى.

ودل ذلك على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره، لا يريدون ما يريده غيرهم من العلو في الأرض، ولا يريدون أيضًا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك، فإن الله خير محمدًا بين أن يكون عبدًا ورسولا، وبين أن يكون ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا ورسولا [1] .

وتوليه أبي بكر وعمر تعد من تمام ذلك، فإنه لو قدم أحدًا من أهل بيته لكانت تشتبهه لمن يظن أنه جمع المال لورثته.

فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته، ولا خلَّف لهم مالا: كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرئاسة والمال، وإن كان ذلك مباحًا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء، بل كان عبدالله ورسوله، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (( إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم

(1) رواه أحمد/ انظر المسند تحقيق أحمد شاكر 12/ 142 - 143 رقم 7160 ومجمع الزوائد 9/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت