ثم إن الرافضة أو أكثرهم لفرط جهلهم وضلالهم يقولون: إنهم ومن اتبعهم كانوا كفارًا مرتدين، وأن اليهود والنصارى خير منهم، لأن الكافر الأصلي خير من المرتد.
وقد رأيت هذا في عدة من كتبهم، وهذا القول من أعظم الأقوال افتراءًا على أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.
15 -ومن الدلائل الدالة على فساد [هذا الإفتراء] أن يقال: من المعلوم بالاضطرار والمتواتر من الأخبار أن المهاجرين هاجروا من مكة وغيرها إلى المدينة، وهاجر طائفة منهم كعمر وعثمان وجعفر بن أبي طالب هجرتين: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة وكان الإسلام إذ ذاك قليلا، والكفار مسئولون على عامة الأرض، وكانوا يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى مالا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون مرارة البلوى، وفارقوا الأوطان وهجروا الخلان لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . [1] .
وهذا كله فعلوه طوعًا واختيارًا من تلقاء أنفسهم لم يكرههم عليه مكره، ولا ألجاهم إليه أحد، فإنه لم يكن للإسلام إذ ذاك من القوة ما يكره به أحد على الإسلام. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك هو ومن تبعه منهيين عن القتال، مأمورين بالصفح والصبر، فلم يسلم أحد إلا باختياره، ولا هاجر أحد إلا باختياره، ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من العلماء إنه لم يكن من
(1) الآية 8 من سورة الحشر.