الصفحة 100 من 157

والضمير (هم) في قوله تعالى (الذين كفروا منهم ... ) يعود على كامل تلك الطائفة التي قالت إن الله ثالث ثلاثة، ولذلك قال النسفي إن (من) ليست للتبعيض، لأنها لو كانت كذلك لكانت صفة الكفر لازمة للبعض منهم، وليس لهم جميعًا، في حين أن الله تعالى أطلق عليهم جميعًا صفة الكفر في أول الآية.

أي أن (من) جاءت للبيان، مثل تلك الواردة في قوله تعالى ... (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) إذ ليس الأمر مقصورًا على بعض الأوثان دون غيرها، بل هو سار على كل الأوثان.

ب (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)

قرن جل شأنه بين التوبة والاستغفار إشارة إلى أن الخلاص من الذنب لايتحقق إلا بهما معًا، فالتوبة تعني الإقلاع عن الذنب والرجوع إلى ما أمر به الله، فإذا فعل المرء ذلك بقى مآله مع الذنب معلمًا، فإذا استغفر ربه غفر الله له، أي تجاوز عن ذنبه، فلم يؤاخذه به.

وهذا ما أراد الله تعالى من الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة، التوبة أولًا من ذلك الذنب والرجوع إلى الحق الماثل في كون الله تعالى فردًا واحدًا لا شريك له، فإذا فعلوا ذلك كان عليهم الاستغفار من ذلك الذنب الذي اقترفوه حتى لا يؤاخذوا به يوم القيامة.

والتوبة لا تتحقق إلا مّمن كان مؤمنًا بالله، أي بالمرجع الذي سيرجع إليه، وهيئته هذا المعنى لدى النصارى تظهر في أنهم يؤمنون بالله، إلا أنهم تركوا ما هو واجب له، وهو أنه الواحد الأحد، فجعلوا له شريكين. فكان معنى توبتهم رجوعهم إليه سبحانه بالمعتقد الصحيح، ونبذ ما اعتقدوه من شرك. فإذا فعلوا كان عليهم أن يطلبوا الغفران من سياق ذنبهم.

وبشرهم سبحانه بالغفران من خلال إثبات صفة (غفور) وبَّين علَّة هذا الغفران بقوله (رحيم) أي أن رحمته العظيمة سبحانه اقتصت غفران أعظم الذنوب حال التوبة منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت