فهرس الكتاب
لجأ القرطبي والنسفي رحمهما الله، إلى الفصل في الدلالة بين ركني الاسم المزدوج، فذهبا بكل ركن إلى تأويل مغاير لتأويل الآخر، وهو ماذكرنا لكم بيانه قبل قليل.
وأما منهجنا في هذا الكتاب، فيوجب أن يكون قوله تعالى (غفور رحيم) ساريًا على المرء في الحالتين، السراء والضراء. وفيما يلي تفصيل ذلك
أ (إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو)
قد يُنْزل الله الضُرَّ بالإنسان عقابًا أو ابتلاء، فإذا لم يأذن سبحانه بانقضاء ذلك الضر لاسبيل إلى انقضائه، وقد أكد المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله:
( ... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك ... ) رواه الإمام أحمد والترمذي.
ووجه تعلق قوله تعالى (غفور رحيم) بهذا الشق من الدلالة يبينه قوله صلى الله عليه وسلم:
(ما يصيب المسلم من نصب ولاوصب ولاهم ولاحزن ولاأذى ولاغم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) البخاري ومسلم وأحمد والترمذي.
أي أن كل ضر يصيب المرء المسلم يجعله الله تعالى سبيلاًُ إلى تكفير الذنوب وهو معنى قوله (غفور) ، أي أنه سبحانه سن هذا القانون لعباده لأنه أراد أن يرحمهم بالخلاص من تبعات ذنوبهم.
وقوله (فلا كاشف له إلا هو) يؤكِّد المعني المذكور قبل قليل، لأنه سبحانه يقدر أمد ذلك الضر ومقداره وفق مايريده للعبد من غفران ورحمة.
والغفران لايقف عند حد الإصابة بالضر، ولذلك قال تعالى (غفور رحيم) إشارة إلى أنه لايحاسب العبد في دنياه على كل مااقترفت يداه، بل يعفو عن كثير من الذنوب، ولايترك تكفيرها إلى مايصيب الإنسان من ضر.
ب (وإن يردك بخير فلا راد لفضله)