فكانت أسرة من زوجين"وبثَّ منهما رجالا كثيرا ونساء". ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالا كثيرا ونساء كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني بعد قيامه على أساس العقيدة.
ويقول الإمام ابن كثير في خلق النفس الواحدة: يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه وهي عبادته وحده لا شريك له ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة وهي آدم عليه السلام"وخلق منها زوجها"وهي حواء عليها السلام خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم فاستيقظ فرآها فأعجبته فأنس إليها وأنست إليه. - انتهى -
فالخلق من نفس واحدة أدعى للتناسب والسكن إلى بعضهما والراحة ثم أن خلق المرأة من الرجل تبثّ في القلب رحمة عنده أنها منه وأنها قريبة وترتبطهما علاقة خَلقية قبل أن تكون زوجية وهذا من حكمة الله جل وعلا وفضله على البشر أن هيّأ لهم ما يعينهم على استمرارية حياتهم وضمان سعادتهم وما على البشر إلا انتهاج شرعه جل وعلا وتنمية هذه المشاعر والحفاظ على هذا العطاء الإلهي ليكون السرور والرضا والراحة في الحياة.
سكنٌ .. مودّةٌ ورحمة .. وفي آية تتجلّى فيها كل المعاني الراقية للزواج يقول الله جل وعلا:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [1]
وفي تفسيره للمودة والرحمة يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"المودة هي: المحبة، والرحمة هي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد".
أما الظلال فجاء فيها: والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الأخر وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين؛ وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة. ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجا وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب وراحة للجسم والقلب واستقرارا للحياة والمعاش وأنسا للأرواح والضمائر واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء. والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويرا موحيا وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس:"لتسكنوا إليها".."وجعل بينكم مودة ورحمة"..
"إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".. فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقا للآخر. ملبيا لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية. بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار؛ ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد .. - انتهى -
يقول الإمام ابن القيّم رحمه الله:"وأمّا الودّ فهو خالص الحبّ وألطفه، وأرقّه وأصفاه، وهو من الحبّ بمنزلة الرأفة من الرحمة" [2]
وفي تفسير القرطبي ورد أن ابن عباس قال: المودة الجماع والرحمة الولد.
فحين يتحقق السكن بين الزوجين والطمأنينة يكون الجماع تعبيرًا عن هذا الحب ورغبة في تقرّب كلّ منهما للآخر والتصاقه به وتتجلى الرحمة في تكوين هذا الولد في الرحم ليكون رحمة دائمة بين الزوجين وجامعًا لهما ما رعيا حقوق بعضهما البعض وأبعدا الشيطان عن حياتهما.
(1) سورة الروم الآية 21
(2) روضة المحبين ص 62