وفي آية بديعة من آيات الله جل وعلا يصف الزوجين بأن أحدهما لباس للآخر إذ يقول جل وعلا:"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" [1]
وللباس معانٍ كثيرة جاء منها في كتب التفسير بأنه الشيء الملتصق بالجسد، وفيه معنى التكافؤ النفسي والبدني، والزينة، والستر، والطهارة، والاستغناء، والنعيم، والوقاية، وحفظ العورة، والتجدد. ولعلّ أهم معنى يطابق بحثنا هنا هو معنى السكن كما ورد عن مجاهد في تفسير القرطبي.
ما أن يكبر الإنسان يبدأ بالشعور ان هناك ما ينقصه ويبدأ رحلة التفتيش عن نصفه الآخر ليسكن إليه ويشاركه السعادة في هذه الحياة. فالله جل وعلا زرع في كلا الرجل والمرأة فطرة الميل الى الآخر ليستمر النسل وتعمر الأرض. وحين يلج الرجل والمراة في حياة الزوجية يكونان قد بنيا قصورًا في الأحلام ويتمنيا أن تتحقق في عشّهما وألاّ ينغّص معيشتهما ألم.
ومن المُلفِت هذه النظرة عند حديثي العهد بالزواج من أن الحب هو ذاك الحب الذي شاهداه في الأفلام والمسلسلات وأنه سيدوم لهيبه الى أن يضمهما قبرهما بعد عمر طويل. ويغفل هؤلاء أن الحياة الزوجية جملة مسؤوليات وأعباء وقودها المودة والرحمة بينهما وأنهما إن لم يعملا المحافظة على أسباب دوام هذه المحبة وعلى تزكية هذه المشاعر وتنميتها وإزكائها بالأقوال والأفعال وبذكاء فسينهار البيت أمام لسعات المحن المتتالية.
وهذا الحب ليس مجرد مشاعر تترجمها اللقاءات الحميمة بين الزوجين وإنما هو وحدة رؤية وآمال وتفاهم ومصارحة ومشاركة بالإضافة طبعا إلى السكن.
وللإشباع العاطفي أهمية على الصعيدين النفسي والجسدي. ومن دونه فإن البيت الذي أُسّس على الحب من أول يوم سينهار رويدًا رويدًا وسيجد كلّ من الزوجين نفسه محبط عاطفيًا وجسديًا.
فالركن الأول بعد تقوى الله جل وعلا والتوكل عليه واخلاص النية له في بناء هذا البيت الزوجي من الأساس هو ملء الفراغ العاطفي عند كلّ من الزوجين ومحاولة اشباع أحدهما للآخر عاطفيًا حتى لا يكون البيت مجرد جدران تجمعهما وأرواحهما وقلبيهما خارجه. ودمار البيوت يبدأ من فقدان الحرارة في العلاقات بين الزوجين فيه.
اذًا أهمية الإشباع العاطفي تنبع من حاجة الرجل والمرأة الى سكن ومودة يجب على كل طرف أن يوفّرها للآخر حتى لا يسقط أيّ منهما في بؤر الرذائل من تعاسة وخيانة وجريمة واكتئاب وانحراف بحثًا عن الحب والحنان.
يقول د. عبد العزيز بن عبد الله الدخيل أستاذ الخدمة الاجتماعية المساعد بجامعة الملك سعود:"الحاجة إلى الإشباع العاطفي غريزة تولد مع الإنسان، وهذا ما أثبتته دراسات كثيرة .... وبحسب نظرية الحاجات للعالم «ماسلو» ، فإن للإنسان حاجات متدرجة - أسماها الحاجات الإنسانية Human needs - تعمل كدافع أو محفز لأن يسلك سلوكًا ما حيث قسمها ماسلو إلى خمسة أقسام هي: الحاجات الفسيولوجية والحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى الحب، والحاجة إلى تقدير الآخرين، والحاجة إلى تقدير الذات .... وما لم تشبع بطريقة سليمة تتفق مع معاييرنا الدينية والاجتماعية فإنها لا بد أن تخرج بشكل او بآخر قد لا يتفق مع المعايير الدينية والأخلاقية والاجتماعية فإذا كان عدم أو ضعف اشباع الفتاة أو الزوجة لحاجة الحب والتقدير اليها من قِبَل أسرتها او"
(1) سورة البقرة الآية 187