المعرفة بطبيعة الحياة الدنيا وما جُبِلت عليه من المشقة والعناء وأن الله خلق الإنسان في كبد وأنه كادح إلى ربه كدحًا فملاقيه وأن الآلام والتنغيص من طبيعة هذه الدنيا والابتلاءات {ولنبلونّكم} ..
جبلت على كدرٍ وأنت تريدها
صفو من الآلام والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها
متقلب في الماء جذوة نار
ومن لا يعرف هذه الحقيقة سيتفاجأ بالأحداث، أما الذي يعرف طبيعة الحياة الدنيا إذا حصل له أي ابتلاء ومنغصات فإن الأمر عنده يهون.
الإيمان بأن الدنيا كلها ملك لله تعالى، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، {ومابكم من نعمة فمن الله} ، ولذلك الإنسان إذا حرم من شيء وابتلي يقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، لا يوجد كلمة أبلغ في علاج المصاب وأنفع له عند المصيبة من تذكير العبد نفسه بهذين الأصلين . والدنيا فانية، والعبد وأهله وماله ملك لله، والمال وأولاده جعلوا عنده عاريّة، وصاحب العارية متى ما شاء استردها، ومصير الناس العودة إلى الله سبحانه وتعالى. وأم سليم لما فقهت هذا كان لها مع أبي طلحة ذلك الموقف المشهور فلما مات ولده الذي يحبه فقالت: ( يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟) قال: لا ..إن العارية مؤداة، قالت: ( إن الله أعارنا فلانًا - ولدنا- ثم أخذه منا) فاسترجع..
معرفة الجزاء والثواب على هذا الصبر .. وقد تقدم ذكر شيء من هذا.. {نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ، يوفون أجرهم بغير حساب..
الثقة بحصول الفرج، والله جعل مع كل عسر يسرين رحمة منه عزوجل {فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا} ، العسر معرفة بأل ، و يسر نكرة ، فالعسر هو نفسه و يسر يسر ٌثانٍ، ولن يغلب عسرٌ يسرين. والله تعالى جعل اليسر مع العسر وليس بعده، ولذلك فالله ينزل المعونة على قدر البلاء، والله لا يخلف الميعاد، {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفّنك الذين لا يوقنون} ، والفجر ينبلج ولو بعد ليل طويل..