الصفحة 2 من 10

تحقق حرية الرأي العديد من الاغراض الاخرى للأمة فهي وسيلة لتحقيق التقدم والعدل ورفع الطغيان والظلم وسوف نعرض لذلك بالتفصيل على البيان ادناه.

وذلك ان اعلاء كلمة الله يتأتى من التقدم العقلي والفكري للانسان فكلما استنارت الانسانية وزاد تقدمها كانت كلمة الله ورسالته قائمة وماضية ونافذة فلقد خلق الله ما خلق من اجل الانسان ومن اجل تقدمه لذا فقد سخر الله الكون ليعمره وعلى ذلك يجب ان تهدف جميع التصرفات الانسانية الى البناء والوصول بالانسان الى حياة افضل وحظ من السعادة ولكي يضمن المجتمع مشاركة افراده في تحقيق هذا الهدف - يجب عليه ان يمنحهم الحق في ان يعبروا عن افكارهم تحقيقًا لهذه الغاية.

وهنا تظهر الاهمية القصوى لحرية الرأي عندما توجه السلطة العامة باعتبارها اداة المجتمع في تحقيق آماله واهدافه والحكم الصالح يفترض قيام السلطة على تحقيق مصالح العباد واحراز التقدم في كافة المجالات ولا تستطيع السلطة القيام بهذه المهمة دون ان تتعرف على رغبات المواطنين في هذه الاهداف وفي سبيل تحقيقها.

لهذا اباح الاسلام حرية الرأي وحض عليها ولا اجد في هذا المقام ادق من تعبيره عليه الصلاة والسلام حيث قال (قل الحق ولو كان مرًا) وقد كذب علي بن ابي طالب في عهده الى احد عماله في مصر يقول ( وليكن آثر اعوانك اقولهم بمر الحق لك) (8) .

كل ما سلف ذكره يؤكد ويدعم حق النقد وابداء الرأي واعطاء صاحبه مكانة عظيمة في مواجهة الحكام وما اكتسب الرأي - ولو كان نقدًا - هذه المكانة العظيمة الا لانه وسيلة لاصلاح الحكم ايا كان في اي قطاع كان ولا يقتصر فقط على الحاكم السياسي.

ومن اجل ذلك فإن الاسلام لا يعترف بذات مصونة لا تمس بل ان الجميع امام الشرع سواء اذا فلا يملك احد الحجر على ما يقول غيره بل يجب تمحيص ما يقول وهذه بيئة ينبغي ان تسود فيها حرية الرأي ويعظم فيها النقد بيئة تسود فيها المساواة التامة بين الراعي والرعية ويسود فيها التسامح الحر.

وعلى ذلك فإن اضطهاد الآراء منشؤه سقوط هذه المساواة بين الناس وان يعتقد الراعي في نفسه النزاهة عن الخطأ او يزين له من حوله من الحواريين ذلك او يجعلونه اساسًا من اسس العلاقة بينه وبين الناس حينئذ يكون التضييق على الآراء والافكار ويضطر الناس الى اعلان ما لا يؤمنون بصحته ويتظاهرون بقبولها ويكون من نتاج ما تقدم انقسام وجدان الامة فتؤمن بآراء وتعلن غيرها امام السلطة خشية بطشها فإذا استقر في وجدانها هذا الانقسام ادى ذلك إلى انمائه في نفوسهم واقبالهم على التظاهر بطاعة الحاكم خلاصًا من عسفه جاء في الحديث الصحيح عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (شر الناس من وادعه الناس لاتقاء شره) .

ويقول ابن خلدون (ان الملك اذا كان قاهرًا باطشًا بالعقوبات منقبًا عن عورات الناس تسلمهم الخوف والذل ولاذوا بالكذب والمكر والخديعة فتخلفوا بها وفسدت بصائرهم واخلاقهم وربما خذلوه في مواطن المدافعات .. ففسدت الحماية بفساد النيات) (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت