الصفحة 2 من 24

العلاقات الدولية

في الفكر السياسي الغربي

"دراسة تحليلية"

توضِّح القراءةُ المتعمقة للأدبيات التحليليَّةِ للفكرِ السياسي أنَّ هناك افتراضًا"مستترًا"في تلك الأدبيَّاتِ، فحْوَاه أنَّ هناك انفصالًا نسبيًّا بين الفكرِ السياسيِّ والعَلاقاتِ الدَّولية، وأنَّه من الصُّعوبةِ بمكانٍ توظيفُ الفِكر السياسيِّ لفهمِ الأسسِ النَّظريَّة للعلاقاتِ الدَّولية.

وينطلق هذا الافتراضُ من أنَّ الفكرَ السياسي لا يخضعُ للأطرِ المتعارَفِ عليها في التَّحليلِ الأمبيريقي للعِلم، ومن ثَم لا يمكِنُ الاعتمادُ عليه لبناءِ الإطار النظريِّ لفهمِ الظَّاهرة السِّياسية الدولية [1] ، كما أنَّ الفكرَ السياسيَّ يتناول علاقةَ الفرد بالسُّلطة السياسية؛ أي: النَّواحي المتعلِّقة بالتَّنظيمِ الداخليِّ للمجتمعِ، بينما تتناول العلاقاتُ الدوليةُ النواحيَ المتعلِّقة بما يقعُ خارج إطارِ هذا التَّنظيمِ؛ ولذلك فإنَّ معظمَ الدِّراسات التقليدية التي تتناول الفكرَ السياسيَّ بالبحث والتحليل - تركِّزُ على دراسةِ الأطُرِ الدَّاخلية للدولة، والمتمثِّلةِ في الإطار السياسيِّ والاجتماعي، والسُّلطةِ السياسية، ولا تحفِلُ كثيرًا بظاهرةِ التفاعُلِ في المجالِ الدَّوليِّ، كما أنها تتجاوز دَورَ الفكر السياسيِّ في فهمِ جوهر التفاعلِ الدَّوليِّ، رغم أنَّ هذا الفكرَ هو القاعدةُ التي انطلق منها المفكِّرون لتنظيرِ العَلاقاتِ الدَّوليةِ المعاصرة، فالظَّاهرة السياسيةُ تمِّثل كُلاًّ متكاملًا، ومن ثَمَّ فإنَّ الفكرَ السياسي حينما يتعاملُ مع تلك الظاهرة لا يركِّزُ فقط على الجوانبِ المتعلِّقةِ بتنظيم المجتمعاتِ والسُّلطةِ السِّياسية، كما هو شائعٌ في دراساتِ الفكر السياسيِّ؛ وإنما يتناولُ الظاهرةَ بمختلِفِ أبعادِها، بما في ذلك أبعادُها الخارجيَّةُ؛ أي: تلك الأبعادُ المتعلِّقةُ بالعلاقات الخارجيَّةِ للوَحدة السِّياسيةِ، ولعلَّ هذا ما يجعلُ دارِسَ العَلاقاتِ الدَّولية يتساءلُ حين يحاول بناءَ إطارٍ نظريٍّ لفهمِ التفاعلِ الدَّولي عن الجذورِ الفِكريَّةِ للقِيَمِ السَّائدة في المجتمعِ الدَّوليِّ، وعمَّا إذا كانت الأفكارُ السائدة اليوم تمثِّلُ امتدادًا لأفكار سابقة.

وتنطلقُ هذه الدِّراسةُ من مسلَّمةٍ جوهرية، هي وحدةُ الظَّاهرة السِّياسية، ومن ثَمَّ فإنَّ المفكِّرين السياسيين الذين تناولوا الظَّاهرةَ السِّياسية إمَّا بالتَّحليلِ الأمبيريقي أو بتقديمِ نماذجَ مثاليَّةٍ معياريَّة - لَم يقتصروا في الغالب على فهمِ الظَّاهرة السياسية داخل المجتمعِ السِّياسيِّ؛ وإنما كانت لهم تصوُّراتٌ محدَّدة حول الظَّاهرة السِّياسية"خارج"إطار المجتمعِ السِّياسيِّ أيضًا، أو ما يعبَّرُ عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت