طبقيٍّ بدون وجودِ دولةٍ، وحتى مع ظهور الثَّورةِ الاشتراكيَّةِ، فإنَّ الدولةَ تستمرئ (دكتاتورية البروليتاريا) باعتبارِها أداةَ البروليتاريا لقمعِ البرجوازية.
صحيحٌ أنَّ هذه الدولةَ سرعان ما تتلاشى مع التحوُّلِ نحو المجتمعِ الشيوعي، إلا أنَّ ماركس قد أشار إلى أنَّ هذا التلاشيَ سيكون هو الغايةَ النِّهائيةَ للتطوُّرِ، كما أشار لينين فيما بعدُ إلى أنَّ هذا التحوُّلَ سيستغرقُ فترة طويلةً من الزَّمنِ، ومن ثَمَّ فإنَّ الماركسية لَم تخرُجْ في الواقع عن المفهومِ السِّياسيِّ الغربيِّ العامِّ، الذي يؤكِّدُ على فكرة بقاءِ الدَّولةِ [1] .
مثَّلت معاهدة وستفاليا التي عُقِدت عام 1648 م بدايةَ ظهورِ النَّسقِ الدوليِّ الأوروبيِّ الحديثِ، ولقد دفعت هذه المعاهدةُ الدولَ إلى التَّخلي عن مفهومِ وَحدةِ أوروبا تحت سلطان الكنيسةِ، وإلى تبنِّي مفهومِ النَّسقِ الدَّوليِّ المكوَّنِ من دولٍ متساويةٍ وغيرِ خاضعةٍ لسُلطةٍ عليا [2] ، وقد وضعت معاهدةُ وستفاليا حدًّا للحروبِ الدِّينيةِ، ومهَّدتْ لظهورِ مفهومِ"النَّسق الدولي"، والقائمِ على فكرةِ تلاحمِ ملوك أوروبا وأباطرتِها في سبيلِ الإبقاءِ على توازُنِ القُوَى [3] .
ويمكِنُ القولُ: إنَّ المفكِّرين السِّياسيين الغربيِّين انطلقوا في تحليلِهم للعلاقات الدَّوليةِ - منذ معاهدةِ وستفاليا - من مفهومٍ مركزيٍّ، وهو وجودُ نسَقٍ دوليٍّ قائمٍ على وجودِ علاقةٍ محدَّدةٍ تربِطُ الدولَ المكوِّنةَ للنَّسقِ، تميّز هذا النَّسق بأنَّ الدولةَ ذاتَ السِّيادةِ هي الفاعلُ الوحيدُ فيه، كما أنَّ هناك علاقةَ ترابطٍ محدَّدةً بين الدُّولِ الكائنةِ في النَّسقِ.
فمِن المفاهيمِ الأساسيةِ التي أكَّدتها كتاباتُ المفكِّرين السِّياسيين الذين عُنُوا بدراسةِ التَّفاعلِ الأوروبي - مفهومُ الدَّولةِ ذاتِ"السيادة"، وقد كان جان بودان أولَ مَن استخدم مصطلحَ (السِّيادةِ) ، حين أكَّد بودان أنَّ السِّيادةَ تُعَدُّ جوهرَ فكرِ بقاءِ الدَّولةِ وقوَّتِها [4] ، كما أكَّد المفكِّرون السياسيُّون الغربيُّون أهميَّةَ السِّيادةِ في قيام نسقٍ دوليٍّ مكوَّنٍ من دولٍ مستقلَّةٍ وذاتِ سيادةٍ، فقد أشار ماكيافيللي إلى ضرورةِ احترامِ سيادة الدُّولِ الأخرى، وأكَّد على ضرورةِ مشاركة الدُّولِ في المجتمع الدوليِّ، وضرورةِ مراعاةِ القائد السياسيِّ لمصالحِ الدُّولِ الأخرى؛ ولذلك انتقد"الحياد"، ووصفَه بأنَّه مفهومٌ مضلِّلٌ يرمي إلى إنكارِ وجودِ رابطةٍ بين الدُّول، وقد قدَّم ماكيافيللي معيارينِ أساسيين ارتكز إليهما تحليلُ العَلاقاتِ الدَّوليةِ، وهما: أنَّ الدولةَ قوَّةٌ أخلاقيةٌ يجب العملُ على دعمِ وجودِها واحترامِ سيادتِها، وأنَّ هناك رابطةً تجمعُ بين الدُّولِ، وهي ما يمكِنُ أنْ نسمِّيَه اليوم النَّسقَ الدوليَّ المكوَّنَ من دولٍ مستقلَّةٍ وذاتِ سيادةٍ [5] .
(1) لمزيد من التفاصيل؛ راجع: