ولذلك نلاحظ أنَّ معظمَ المصطلحات المتداوَلة في حقلِ العلاقات الدَّولية، مثل: السلام، والحرب، والعُدوان، والإمبريالية وغيرها - تعكس رؤيا قِيميَّةً للواقعِ الدولي، حيث تُبنَى على قواعدَ فكريةٍ، تجعلُ لتحديدِها مدلولًا خاصًّا، يختلفُ باختلاف الواقعِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ في الدول المعاصرةِ.
واهتمامُ علماء العَلاقات الدَّوليةِ المعاصرين بالحربِ والسَّلامِ وبقاءِ الدَّولةِ وقوَّتِها - يُعَدُّ امتدادًا لاهتمام المفكِّرين الغربيِّين - من أمثال: هوبز، وهيوم، وبنثام، وغيرِهم - بدراسةِ هذه الظَّواهرِ في المجال الدَّولي [1] .
ويمكِنُ في هذا المجال تحديدُ أهمِّ معالِمِ رؤية الفكرِ السياسيِّ الغربي للعَلاقاتِ الدَّولية في ثلاثة محاورَ رئيسيةٍ، هي:
وقد مثَّلت هذه الفكرةُ النَّواة لتطوُّرِ القانون الدولي، وظهور الدَّعوة العالَمية المؤكِّدة على ضرورة الاحتكام إلى قواعدِ القانون الطبيعيِّ؛ لإيجاد المجتمعِ الدَّوليِّ الموحَّدِ، وقد مثَّلت هذه الأفكار إرهاصًا لقيام"المدرسة المثالية"التي سيطرت على الحقلِ فترةً طويلة، والدَّاعية إلى تغييرِ الواقعِ الدوليِّ، وإيجادِ مجتمعٍ دوليٍّ"مثالي"تحكمُه معاييرُ أخلاقيةٌ، تستمدُّ جذورَها من فكرةِ"الحقوق الطبيعية"و"القانون الطبيعيِّ".
ثانيًا: فكرة بقاء الدولة وسيادتها:
وترتكز هذه الفكرةُ على مقتضيَاتِ المصلحةِ العليا للدولة Raison d'etat كأساسٍ لتأكيد ضرورة وجودِ الدولة كقاعدةٍ في العلاقاتِ الدَّوليةِ، وما صاحبَ ذلك من التأكيدِ على عَلمانية النَّشاطِ السِّياسيِّ، والفصل بين الدِّين والدَّولةِ، أو بين المعايير الأخلاقيَّةِ والسياسية، والذي أصبح يشكِّلُ قاعدةً من قواعدِ التعاملِ الدَّولي.
ثالثًا: فكرة وجود نسق دولي يربط بين الدول القوية والمسيطرة:
ويهدفُ هذا النَّسقُ إلى الإبقاء على سيطرةِ هذه الدُّولِ عن طريق"توازن القوى"، مع استمرارِ الوضعِ الرَّاهنِ الذي يخدُمُ أغراضَها، ويؤدِّي إلى تحقيق نوعٍ من الاستقرارِ يخدُم مصالحَها.
ويجدرُ بنا التنويهُ هنا إلى أنَّ استخدام المحاورِ الثلاثةِ لا يعني ادِّعاءَ الفصل التامِّ بينها، فتطوُّرُ الفكرِ السياسيِّ الغربي يؤكِّدُ التداخلَ التامَّ بين هذه المحاور، خاصة بين المِحورين الأول والثاني، وبين المِحورين الأول والثالث، هذا التداخل نلمِسه ليس فقط من عصرٍ إلى عصر، ولكن أيضًا من