مفكِّرٍ إلى آخرَ؛ فعلى سبيل المثالِ، فإنَّ أهمَّ منظِّري القانون الطبيعيِّ في مطلع العصورِ الحديثة - مثل بودان وغروشيوس وغيرهما - أخذوا دائمًا في الاعتبار ضرورةَ تحقيقِ مصالحِ الدُّولِ التي ينتمون إليها؛ ولذلك فهم يميِّزون بين"القانون الطبيعي"و"قانون الشُّعوب"؛ أي القانون الدوليِّ بمفهومِنا الحديث، والذي أَطلق عليه غروشيوس اسم"القانون الإرادي"، فقانون الشُّعوب هو قانونٌ إراديٌّ ينبثق عن سيادةِ الدُّولِ، وإنِ استمدَّ قوَّتَه الإلزامية من مبادئ"القانون الطبيعي"؛ ولذلك فإنَّ منظِّري القانون الطبيعي يسلِّمون بأنَّ لكل دولةٍ حقَّ تحديدِ مضمون قانونِ الشُّعوب دون معقِّبٍ من سلطةٍ عُلْيَا فوقها، ولا فارق بينهم في هذا الصَّددِ وبين منظِّري"المصلحة العليا للدولةِ"، من أمثال: ماكيافيلي وهوبز وهيغل وغيرهم، باستثناء أنَّ الفريقَ الأوَّلَ أراد الاحتفاظ - من الناحية النَّظرية - بفكرةِ الرَّبط بين القانون والأخلاق، في حين أكَّد الفريقُ الثاني انفصالَ القانونِ عن الأخلاقِ، ولكنَّ النتيجةَ العمليَّةَ واحدةٌ: أنهم جميعًا يهدفون إلى تحقيق مصالحِ دُوَلِهم؛ ولذلك فالفارق بين غروشيوس وهوبز مثلًا إنما يكمُنُ في وسائل تحقيقِ مصالحِ الدُّولِ، فبينما يرى غروشيوس أنَّ هذه الوسيلةَ ترتكزُ على احترامِ القواعدِ القانونيةِ باعتبارها أداةً للتوفيقِ بين مصالحِ الدُّولِ، وبافتراض أنَّ تحقيقَ مصلحةِ الدَّولةِ يحقِّقُ مصالح الجماعة الدولية ككلٍّ (توافق المصالح) ، فإنَّ هوبز يرى أنَّ الوسيلةَ إلى ذلك هي استخدامُ القوَّةِ.
وهذا يدعَمُ ما نؤكِّدُه هنا من أنَّ المحاورَ الثلاثةَ - وإن اختلف مدى التفاعلِ بينها مع تطوُّرِ البيئةِ - تمثِّلُ رؤيةً قِيمِيَّةً غربيةً متكاملة للعَلاقات الدولية، تعكس مصالحَ الدُّولِ الأوربيةِ، وتدعَمُ قوَّتَها وسيطرتَها على المفاهيمِ والتفاعلاتِ الدَّولية المعاصرة.
وسنتناول هذه المحاورَ الثلاثةَ بالتَّحليل على التوالي:
يُقصَدُ بالقانون الطبيعي قانونٌ أعلى مستمدٌّ من الطبيعة، يحدِّد - بصفةٍ دائمة وفي كلِّ زمان ومكان - الخيرَ والشر، وقد تبلورت فكرةُ القانون الطبيعي - كفكرة فلسفيةٍ - على يدِ الرواقيين، ثم تطوَّرت في العصر الرُّوماني لكي تكتسبَ أهميَّةً قانونية تطبيقية، ثم تبلورت بعد ذلك لتشكِّلَ منظورًا كاملًا لرؤيةِ العلاقاتِ الدَّولية [1] ، فقد أصبحت فكرةُ القانون الطبيعيِّ مُرشِدًا للكتابات القانونية في مجال العَلاقات الدَّولية، وخاصة تلك التي أبرزَت أهميَّة"التنظيم الدولي"، أو خلق القواعد"الوظيفية"اللازمة لتحقيق انسجامٍ يؤدِّي إلى استقرار النَّسقِ الدَّولي لخدمة أغراضِ الدُّولِ المسيطرة عليه [2] .