وتقدِّمُ فكرة القانون الطبيعيِّ منظورًا قِيميًّا للواقع الدوليِّ، مستنِدًا إلى"الطبيعة"التي جُعِلت مرجعًا أخلاقيًّا وقاعدةً لبناء الأُطُرِ السياسية والقانونيَّةِ، كما استخدمت الفكرة كأداةٍ لمعالجةِ ظاهرة انعدام السُّلطة الدَّوليةِ؛ وذلك بإيجادِ قواعدَ عامَّةٍ مرشدة لسلوك الدُّول المكوِّنة للنَّسَقِ الدَّولي، وقد ساعد تبنِّي فكرة القانون الطبيعي على بناء إطارٍ فكريٍّ للتعامل الدوليِّ مؤكِّدًا"الانسجام"و"الوحدة العالمية"، والتي أسهمت فيما بعدُ في دعمِ سيطرةِ المفاهيمِ الغربية على العَلاقات الدَّولية.
ويمثِّلُ القانون الطبيعي - في نظر المفكِّرين الغربيين - الأساسَ الذي تُبنَى عليه القواعدُ المنظِّمةُ لحياة الإنسانِ؛ فالإنسان يتوصَّلُ إلى معرفة القانونِ الطبيعي عن طريقِ العقل والمنطقِ، فالعقل مرادفٌ للقانون الطبيعيِّ، ويستخدمُ الإنسانُ القانونَ الطبيعيَّ لخَلق التوازنِ في حياة الجماعةِ عن طريق الاحتكامِ إليه؛ للتَّفريقِ بين الحقِّ والباطل، و"استخدمت القانونَ الطبيعيَّ في نقد العاداتِ المحلِّية وتهذيبِها، وساعدت على هدمِ الطَّابَع الدِّيني والشَّعائري للقانونِ ..." [1] .
ربطت المدرسةُ الرواقية بين القانون الطبيعيِّ والعلاقاتِ الدَّوليةِ؛ وذلك بتركيزِها على فكرةِ الأخوَّةِ العالَمية المستمدَّةِ من فكرةِ:"وحدة الكون"، الناتجةِ عن العقلِ البشريِّ، بهدف إقامةِ"دولة عالَمية"، تمتاز الدولةُ العالَمية - كما يؤكِّدُ الرواقيون - بكونِ العقلِ دستورَها ومرشدَها،"هذا العقل هو القانونُ الطبيعيُّ، وهو المعيارُ الوحيد لِمَا هو عدلٌ وحقٌّ، وحيث إنه قانونُ اللهِ؛ فإنَّ مبادئَه لا تتغيَّر، وهو ملزِمٌ للحاكمِ والمحكوم على السَّواء" [2] .
وقد أكَّد الرواقيون - في سعيِهم لتوثيق صلاتِ الدُّولِ وتحقيقِ الانسجام الدَّوليِّ - على وجود قانونيْنِ يخضع لهما الإنسانُ، وهما"القانونُ العاديُّ للمدينة"، و"القانون الطبيعي"للدولة العالمية الذي يمثِّلُ القاعدةَ الأساسيَّةَ للعَلاقاتِ الإنسانية، وبذلك فهو يأتي فوق قانونِ المدينةِ، ويمثِّلُ الركيزةَ الأساسية للأخوَّة العالمية في ظلِّ"الدولة العالمية"، التي تحوَّلت على يدِ أوغسطين فيما بعدُ إلى"مدينة اللهِ"المثاليَّةِ [3] .
وقد استُخدمت هذه الفكرةُ - فيما بعد - كإطارٍ أيديولوجيٍّ لتبرير سيادةِ القِيَمِ الغربية المستنِدة إلى"العقل"، ولفرضِ الهيمنةِ الغربيةِ عن طريق الدَّعوةِ إلى"وَحدة العالَم"في إطار السَّيطرةِ الغربيةِ.
وقد أكَّد"زينو"- مؤسِّس المدرسة الرواقية - على إمكانية تحقيق الانسجام العالميِّ؛ عن طريق البحثِ المنظم في طبيعة الكونِ، أو في ما يسمَّى بالنِّظامِ الطبيعيِّ للكونِ.
هذا، في حين أشار كرسبوس إلى أنَّ الانسجامَ والتفاهمَ بين الدول يمكِنُ تحقيقُه إذا أمكن ربطُ الدُّولِ بنظامٍ عالَميٍّ للقِيَمِ مبنيٍّ على المساواةِ، فعلى الرَّغم من اختلاف العاداتِ بين الشُّعوب
(1) جورج سباين، تطور الفكر السياسي، الجزء الثاني، ترجمة حسن جلال العروسي، القاهرة، دار المعارف، 1964 م، صفحة 230.
(2) د. حسن ظاهر، دراسات في تطور الفكر السياسي، القاهرة، مطبعة الأنجلو المصرية، 1405 - 1985 م، صفحة 79 - 80.
(3) سباين، مرجع سابق، صفحة 221 - 222.