وعلى الرَّغمِ من الاختلاف المفهوميِّ بين المدرستين السالفتينِ: الواقعية والليبرالية، فإنَّنا نستطيعُ أن نتبيَّنَ أنهما يشتركانِ في المفهومِ المركزيِّ الذي سبق أنْ أشرنا إليه، وهو مفهومُ وجودِ نسقٍ دوليٍّ، كلُّ ما هنالك أنهما يختلفانِ في تصويرِ هذا النَّسقِ، كذلك يشترك كلاهما في اعتناقِهما مفهومَ النَّسقِ الدَّوليِّ في محاولةِ تقديمِ تبريرٍ نظريٍّ للهيمنةِ الغربيَّةِ، فمدرسةُ الفوضى الدَّولية، حاولت في القرنِ التاسعَ عشرَ والنِّصف الأول من القرنِ العشرين أنْ تقدِّمَ تبريرًا فلسفيًّا لاستعمارِ القوَّةِ ضد الشُّعوبِ الآسيوية والإفريقية، كما أنَّ مدرسةَ المجتمعِ العالَميِّ، أو الاعتمادِ المتبادلِ حاولت - كما يقول ماكلين - أنْ تقدِّمَ تبريرًا أيديولوجيًّا لعَلاقاتِ التَّبعيةِ الكائنةِ في النَّسقِ الدوليِّ، وذلك عن طريقِ وصفِها بأنَّها علاقاتُ اعتمادٍ متبادَلٍ؛ لتصبحَ أكثرَ قَبولًا من قِبَلِ دولِ العالَمِ الثالث [1] .
يمكِنُ القولُ: إنَّ نظرياتِ العلاقاتِ الدَّوليةِ المعاصرة تنطلقُ من مفاهيمَ وافتراضاتٍ معيَّنةٍ عن الواقع الدوليِّ، تجدُ جذورها في الفكر السياسي الغربي، الذي بلور تصوُّراتٍ فلسفيَّةً محددةً للعلاقات الدوليةِ، فلقد انطلق الفكرُ السياسيُّ الغربيُّ في دراسة الظَّاهرةِ السياسيةِ الدوليةِ من افتراضٍ مؤدَّاه: أنَّ القِيَمَ الغربيَّةَ تمثِّلُ مرتكَزًا أساسيًّا يعوَّلُ عليه في بناءِ منطوقٍ نظريٍّ للتفاعلِ الدَّوليِّ، ومن هنا برز الاهتمامُ بخَلْقِ الأطرِ الوظيفيَّةِ الكفيلةِ بإبرازِ دورِ القِيَمِ السياسيةِ الغربيَّةِ، مع الاعتمادِ على التنظيرِ التَّبريريِّ؛ بهدفِ تجذير التصوُّرِ الغربيِّ للواقع الدوليِّ؛ وذلك لتعزيزِ السيطرةِ الغربيَّةِ على النَّسقِ الدَّوليِّ.
ولقد تركتِ القِيَمُ الغربيةُ أثرًا بيِّنًا على الواقع الدوليِّ، حيث أفرزت القِيَمُ الغربيةُ تصوُّرًا محدَّدًا لعواملِ الاستقرارِ النَّسقيِّ، وقد بيَّنَّا في البحثِ أهمَّ معالِمِ رؤيةِ الفكرِ السياسيِّ الغربيِّ للعلاقاتِ الدولية، والتي تمثَّلت في:
1 -فكرة القانون الطبيعيِّ التي قدَّمت منظورًا قِيَميًّا للواقعِ الدَّوليِّ، واستُخْدِمت كأداةٍ لمعالجة الفوضى الدوليَّةِ، والمحافظةِ على الاستقرارِ الدوليِّ؛ عن طريقِ إيجادِ قواعدَ دوليَّةٍ عامَّةٍ تنطلقُ من فكرةِ الانسجامِ الطبيعيِّ، والوحدة العالَميَّةِ النَّسقيةِ لدعمِ سيطرةِ وسيادة المفاهيمِ الغربيَّةِ عن الواقعِ الدَّوليِّ.
2 -فكرة بقاءِ الدولةِ وسيادتِها، التي أكَّدت ضرورةَ وجودِ الدَّولةِ كقاعدةٍ جوهريةٍ في النَّسقِ الدوليِّ، والعملِ على حمايتِها، بصرفِ النَّظرِ عن دورِها الأخلاقيِّ وقِيَمِها، ومن منطلقِ سيادةِ الدَّولةِ تمَّ التَّأكيدِ في الفكر الغربيِّ على فصل النَّشاطِ السياسيِّ عن الدِّينِ، وأصبح البقاءُ الوطنيُّ