وقد تراوحت تلك الاتجاهاتُ بين فكرةِ كانط عن ضرورةِ إقامةِ حكومةٍ عالَمية، ومفكِّري عصرِ النَّهضة الذين دعَوْا إلى تغيير معالِم التفاعلِ الدوليِّ في النَّسقِ عن طريقِ الوحدة الأوروبيَّةِ أو العالَميَّةِ التي دعا لها كروس، وآبيه سان بيير، وسلي وغيرهم، وذلك بتخطِّي الأطرِ الوطنيَّةِ، وإرساءِ نماذجِ الوَحدةِ الفيدرالية والكونفدرالية، وكذلك الأفكارُ التي نادت بالقضاءِ على النَّسقِ الدَّوليِّ المطلَقِ، وإرساءِ دعائمِ نسقٍ دوليٍّ جديدٍ لتحقيقِ السلامِ الدائمِ في المجتمع الدوليِّ.
كما شهد النَّسقُ - كذلك - العملَ على إرساءِ قواعدَ قانونيةٍ دولية مستمدَّةٍ من القانون الطبيعيِّ، أو الوضعيِّ، ومن القِيَمِ النَّصرانية والتقاليدِ الغربيَّةِ.
وقد أسهمت الكتاباتُ القانونيةُ - وخاصَّةً كتابات غروشيوس عن القانونِ الدَّوليِّ - في قيام فكرةِ التنظيمِ الدوليِّ؛ عن طريق بلورة قواعدَ دوليةٍ مشتركة، تعملُ على الحدِّ من الحروبِ وإرساء السلامِ الدَّائمِ في النَّسقِ الدَّوليِّ.
أما المدرسة الثانية، فهي مدرسة"الاعتماد المتبادل"، وهي تقوم على تصوُّراتٍ فكريةٍ محدَّدةٍ، أهمها: وجودُ انسجامٍ طبيعيٍّ بين مصالح الدُّولِ على غرارِ الانسجامِ الطبيعيِّ بين مصالح الأفرادِ في المجتمعِ الداخليِّ، وأنَّ العلاقاتِ الداخليةَ لا تختلفُ كثيرًا عن العلاقاتِ الدَّوليةِ، فالوظائفُ التي تقوم بها المجتمعاتُ توجد في المجتمعِ الدوليِّ ولكن بأشكالٍ مختلفةٍ، فالأحلاف الدوليةُ - مثلًا - تقوم بوظيفةِ تجميعِ المصالحِ في المجتمع الدوليِّ على غرارِ الدَّورِ الذي تقوم به الأحزابُ السِّياسيةُ في المجتمعِ الداخليِّ.
وقد ترتب على هذه النَّظرةِ"الوظيفية""التكاملية"لطبيعةِ التفاعلِ الدوليِّ - بناءُ تصوُّرٍ آخرَ، مؤدَّاه أنَّ الحربَ ليست ظاهرةً"حتميةً"في النَّسقِ الدَّوليِّ، فقد نشأتْ شبكةٌ من العَلاقاتِ المتداخلةِ بين الدولِ، والتي جعلَتْ من الحربِ أداةً مكلفةً اقتصاديًّا لتنفيذِ أهدافِ السِّياسةِ الخارجيَّةِ.
وقد قدَّمت نظريةُ"الاعتماد المتبادل"أفضلَ تعبيرٍ عن فكرةِ مدرسةِ"المجتمعِ العالَميِّ"، فقد أكَّدت مدرسةُ"الاعتماد المتبادل"أنَّ المجتمعَ الدوليَّ الراهنَ يتَّسمُ بتداخلٍ اقتصاديٍّ؛ نتيجةً لكثافةِ المعاملاتِ بين وحداتِه؛ ممَّا أدَّى إلى اعتمادِ الدُّولِ على بعضِها بشكلٍ متكافئٍ، وقد لعبت عدَّةُ عواملَ دَورًا في تعميقِ الاعتمادِ المتبادَلِ بين الدُّولِ وتهيئةِ المُناخِ للتعاونِ الدَّوليِّ، أهمُّها: زيادةُ عددِ وتنوُّع قضايا السِّياسةِ الخارجيَّةِ، وتزايُدُ الأهميَّةِ النِّسبيةِ للقضايا الاقتصاديَّةِ، وتدهورُ الأهميَّةِ النِّسبيةِ للقضايا العسكريَّةِ، وظهورُ وحداتٍ دوليَّةٍ جديدة، وتعقيدُ عمليةِ صياغةِ السِّياسةِ الخارجيةِ [1] .