الصفحة 21 من 24

في قضاياها - فإنَّ العلاقاتِ الدوليةَ تشبهُ في الواقع"حالة الطبيعة"الأُولى بالمفهومِ"الهوبزي"؛ نظَرًا لأنَّ تلك العلاقاتِ تفتقرُ إلى نقطة توازنٍ أو"انسجام طبيعي"، على غرارِ ما يحدثُ داخلَ الدُّولِ، فالفكر السياسيُّ الغربيُّ رغم افتراضِه أنَّ"التوازنَ"حالةٌ طبيعيةٌ في النِّظامِ السياسيِّ والاقتصاديِّ الداخليِّ، والذي يتحقَّقُ آليًّا عن طريقِ"اليدِ الخفيَّةِ"، إلا أنَّ المنظورَ قُلِبَ في المستوى الدَّوليِّ لتُصبِحَ"الفوضى"أصلَ العلاقاتِ الدَّوليَّةِ، وليتمَّ البحثُ بعدئذٍ في آليَّاتِ التغلُّبِ على الفوضى الدَّوليةِ، ولقد عبَّر جان جاك روسو عن حالةِ الفوضى الدَّوليةِ بقوله:"إنَّه بحُكْمِ عدم وجودِ ضمانٍ ضد احتمالِ أنْ تبدأَ الدُّولُ الأخرى الحربَ، فإنَّ كلَّ دولةٍ تكون مدفوعةً بعواملَ تدفعُها لِأَنْ تكونَ البادئةَ (بالحربِ) ، ومن ثَمَّ تسودُ حالة الفوضى" [1] .

الثاني: إنَّه من الممكنِ التغلُّبُ على حالةِ الفوضى الدَّوليةِ عن طريق اتِّباعِ أساليبَ معيَّنةٍ تقلِّلُ من قدرةِ الدَّولةِ على اللُّجوءِ إلى الحروبِ، وفي هذا الإطارِ قدَّمَ الفكرُ السِّياسيُّ الغربيُّ عدةَ أدواتٍ، منها: توازنُ القُوَى، الذي أصبح إحدَى دعاماتِ النَّسقِ الدَّوليِّ الأوروبيِّ، ونسق ما بعد الحرب العالَمية الثانية.

وقد تبلور هذا المفهومُ في علم العَلاقاتِ الدوليةِ على يدِ المَدرسة الواقعية بزعامة مورجنثاو.

كذلك، فقد أشارت النَّظريةُ البِنائيَّة الوظيفية المعاصرةُ إلى أهميَّةِ التوازن كأداةٍ للتغلُّبِ على الفوضى الدَّوليَّةِ، فقد أكَّد تالكوت بارسونز على أنَّه مِن الممكنِ إقامةُ التوازن الدَّوليِّ إذا توفَّرت عدةُ شروطٍ، أهمُّها: وجودُ قِيَمٍ مشتركةٍ بين الدولِ، والاتِّفاقُ بينها حول إجراءات تسويةِ المنازعات، مع وجود قدرٍ من"التمايز الجمعي"Pluralistic Differentiation بين مصالح الشعوبِ، بمعنى أنْ يتوزَّعَ شعبُ كلِّ دولةٍ بين تيَّارات فكريَّةٍ دوليَّةٍ متباينةٍ (شيوعية، ديموقراطية، رأسمالية .. وهكذا) ؛ ممَّا يسهِّلُ من إمكانيةِ إقامة توازناتٍ عبر الدُّولِ بين هذه التيَّارات [2] ، كما أشار ديفيد هيوم في معرِضِ حديثِه عن"قانون الأمم"إلى قواعدِ التكاملِ الدوليِّ، والتي توحي بإدراكِه لوجودِ رابطةٍ دوليَّةٍ، وأهمية وجود قواعدَ قانونيةٍ لتنظيمِ التعامل الدَّوليِّ؛ بهدفِ تحقيقِ الاستقرارِ الدَّوليِّ، ومعالجةِ ظاهرةِ الفوضى الدَّوليةِ، والتي منها صيانةُ أرواحِ السُّفراءِ، وإعلانُ الحربِ، والامتناعُ عن استخدام الأسلحة السامَّةِ [3] ، وهي القواعدُ التي طوَّرَها المفكِّرون القانونيُّون فيما بعدُ.

كذلك، فقد قدَّم الفكرُ السياسيُّ أدواتٍ أخرى للتغلُّبِ على الفوضى الدوليَّةِ، أو لتغييرِ معالِمِ النَّسق الدوليِّ.

راجع كتاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت