حاليًّا بالعَلاقات الدَّوليةِ.
ومن ناحيةٍ ثانية، فإنَّه بعكس التصوُّرِ السائدِ لدى كثيرٍ من دارِسِي العَلاقاتِ الدَّولية، مِن أنَّ المفاهيمَ النَّظريةَ لهذا العلمِ لَم تظهَرْ إلا منذ القرنِ التاسع عشر، فإنَّ المتأمِّلَ لتطوُّرِ الفِكْرِ السِّياسيِّ يلحظُ أنَّ تلك المفاهيمَ قد ظهرت وتبلورت مع ظهور الفكر السياسيِّ وتطوُّرِه، ولكنَّها لَم تأخذ طابَعَ التَّنظير العلميِّ المحدَّد إلا في فتراتٍ تاريخيَّةٍ لاحقةٍ.
وفي هذا الإطارِ يهدفُ هذا البحثُ إلى إثباتِ فرضيَّتين رئيسيَّتين، الأُولى: هي أن المفكِّرين السياسيين قد طوَّروا مفاهيمَ وتصوُّراتٍ عن العَلاقات الدَّولية، تنطلق من القِيَمِ الفِكرية لهؤلاء المفكِّرينَ، والثانية: هي أنَّ نظرياتِ العَلاقات الدولية المعاصرة إنما تنطلقُ من مفاهيمَ وافتراضاتٍ تجدُ جذورَها في الفكرِ السياسيِّ المعروف.
وفي هذا الإطار، فإننا سنقصر دراستَنا على تطوُّرِ الفكر السياسيِّ الغربيِّ؛ لأنَّ هذا الفكرَ يمثِّلُ وحدةً متميِّزةً في أدبيَّات الفكر السياسيِّ، محاولين إثباتَ أنَّ هذا الفكرَ قد قدَّم تصوُّراتٍ معيَّنةً عن الواقعِ الدَّولي، وأنَّ نظريات العَلاقات الدَّولية المعاصرة تنطلقُ من تلك التَّصوُّراتِ، ومن ثم فهي تتضمَّنُ تحيُّزًا قِيمِيًّا نحو قِيَمٍ سياسيةٍ غربية معيَّنة.
يوضِّحُ تأملُ تطوُّرِ الفكر السياسي الغربي من العصرِ الإغريقيِّ وحتى القرن العشرين أنَّ هذا الفكرَ قد بلور رؤيةً معيَّنةً للعلاقات الدوليَّة، وأنَّ هذه الرُّؤيةَ قد انعكسَتْ على الافتراضاتِ الأساسيَّةِ للتَّحليل العلميِّ المعاصِرِ للعَلاقاتِ الدَّوليةِ، فبِعَكس التصوُّرِ الشائع لدى معظمِ دارِسي العَلاقات الدَّولية مِن أنَّ هذا التَّحليلَ قد انطلق من أسسٍ تجريبيَّةٍ محايدة تمامًا، إلا أنَّ النظرةَ المتعمِّقةَ لهذا التَّحليلِ توضِّحُ أنَّه قد انطلق من أسسٍ فلسفيَّةٍ معيارية محدَّدة مستمَدَّةٍ من خصائصِ المجتمعات الغربيَّةِ حاوَلَ أن يوظِّفَها لتقديمِ تصوُّرٍ معيَّنٍ للعلاقات الدَّولية يدَّعي الشُّمولَ والعالَمية [1] ، فقد أبرز الفكرُ الغربي عددًا من المفاهيمِ الرَّئيسية في العَلاقاتِ الدَّولية، أصبحت ذات أثرٍ بالغ على الواقع المعاصرِ، كما تناوَل المفكِّرون السِّياسيون الغربيُّون ظاهرةَ التفاعل الدَّوليِّ، وشكَّلت آراؤُهم قواعدَ بُنِيَ عليها التَّحليلُ اللاحق للعَلاقاتِ الدَّولية.
ورغم أنَّ التنظيم"العلمي"للعَلاقاتِ الدوليَّةِ لَم يظهَرْ إلا في مطلع القرن العشرين، إلا أنَّه مع بداية ذلك القرنِ كان الفكرُ السياسيُّ الغربيُّ قد أرسَى بالفعلِ مجموعةً من المفاهيمِ الفلسفيَّةِ المتعلِّقةِ بالعلاقات الدَّولية، والتي استمرَّتْ تميِّزُ الدِّراسة"العلمية"للعلاقاتِ الدَّوليةِ فيما بعدُ [2] .