كما لاحظ جنطيلي - كذلك - وجودَ نسقٍ دوليٍّ، ولكنَّه أكَّد - استنادًا إلى مفهوم"السيادةِ"- أنَّ الدولَ المكوِّنةَ للنَّسقِ لا تؤلِّف في مجموعِها"مجتمعًا متكاملًا"رغم ارتباطِ بعضِها ببعضٍ؛ ولذلك فالسَّلامُ وإبقاءُ التَّوازنِ الدوليِّ يعتمد على العملِ على تحقيقِ مصالحِ الوطنيَّةِ مع مراعاةِ مصالحِ الدُّولِ الأخرى [1] .
كذلك فقد نحَا"أمريخ دي فاتيل"نفْسَ المنحَى حينما أكَّد على فكرة قيامِ عَلاقةٍ محدَّدةٍ بين أعضاءِ الجماعةِ الدَّوليةِ، بحيث تصبح الدُّولُ المستقلَّةُ ذاتُ السِّيادةِ دعامةَ الرَّابطةِ الدَّوليةِ الأساسيَّةَ؛ وقد أشار فاتيل إلى مفهوم"توازن القوى"كوسيلةٍ لتحقيق الاتصالِ وتأكيد المساواةِ بين الدُّولِ [2] .
وقد أدَّى تبنِّي المفاهيمِ السَّابقةِ إلى ارتكاز العلاقاتِ الدَّوليةِ على القوَّةِ والمصلحةِ، والتي مثَّلتِ النواةَ لبروزِ الاتِّجاه"الواقعي"، المبنيِّ على فكرةِ هوبز عن حالةِ الطَّبيعةِ، والتي تؤكِّدُ أنَّ العلاقاتِ الدَّوليةَ يحكمُها عنصرُ الفوضى، الذي يجعل الحربَ قاعدةً من قواعدِ التعاملِ الدَّوليِّ، ومن ثَمَّ يجبُ على الدولةِ أنْ تعملَ على زيادةِ قوَّتِها، ودعمِ مصالحِها في مواجهةِ الدُّولِ الأخرى.
ومن ثَمَّ فقد بلور الفكرُ السياسيُّ الغربيُّ تصوُّرًا فكريًّا محدَّدًا، قوامُه وجودُ نسقٍ دوليٍّ يتَّسمُ بخصائصَ معيَّنةٍ، أهمُّها: أنَّ الدولةَ ذاتَ السِّيادةِ هي الفاعلُ الوحيدُ في هذا النَّسقِ، كما أنَّ الدُّولَ المكوِّنةَ للنَّسقِ تتميَّزُ بوجود رابطةٍ محدَّدةٍ بينها؛ ولذلك فقد تجاهل الفكرُ الغربيُّ لفترة طويلة كلَّ الوحداتِ السِّياسية الدَّوليةِ التي لا تأخذُ شكلَ الدَّولةِ (كالتَّنظيمات الدَّوليَّةِ، وحركاتِ التَّحرُّرِ الوطنيِّ، وغيرِها) كوحداتٍ فاعلةٍ في النَّسقِ، كما أنَّه بتأكيدِه على وحدةِ النَّسقِ، فقد أكَّد ضِمنًا على سيطرة القِيَمِ الفكريَّةِ الغربيةِ على التفاعلِ السياسيِّ داخل النَّسقِ؛ ولهذا أيضًا نلاحظ أنَّ الفكرَ السياسيَّ الغربيَّ تجاهَلَ إلى حدٍّ كبيرٍ الشعوبَ غيرَ النَّصرانية في النَّسقِ الدَّوليِّ، واعتبرها"موضوعًا"للعلاقاتِ الدَّولية أكثرَ منها قُوًى فاعلةً في تلك العلاقات.
بَيْدَ أنَّ المفكِّرين الغربيِّين اختلفوا في تصوُّرِهم لطبيعةِ هذا النَّسقِ، وفي هذا الصَّددِ برزَتْ مدرستان رئيسيَّتان، هما: مدرسة"الفوضى الدولية"،"مدرسة الاعتماد المتبادل".
انطلقت مدرسةُ"الفوضى الدولية"من تصوُّريْنِ رئيسيِّينِ لطبيعةِ النَّسقِ الدَّوليِّ:
الأول: أنَّ النَّسقَ الدوليَّ يتَّسمُ بالفوضى النَّاتجةِ عن الانعدامِ الآليِّ للسُّلطةِ العليا الملزِمةِ، فطالما أنَّ النَّسقَ الدوليَّ يتكوَّنُ من مجموعةِ دولٍ مستقلَّةٍ ذاتِ سيادةٍ، وأنَّ هذه الدولَ تحتكر أدواتِ القوَّةِ العسكريةِ، ولا توجد سلطةٌ عُليا في المجتمع تعلو سيادةَ الدولِ؛ ممَّا يجعل الدُّولَ بمثابة الحكمِ الذَّاتيِّ
(2) لمزيد من التفاصيل؛ راجع: