غريزة طبع متأصلة في قرار النفس الإنسانية لا تكاد تنفك عنها إلا إذا طرأت عليها عوامل خارجية داخلية [1] .
إن هذا الاعتقاد الديني السليم أساس جوهري في بناء الوحدة الإسلامية. ولم تنبثق حتى الآن أي حضارة، أكثر توازنًا وانسجامًا ورقيًا، من غير أن يجمعها دين وتوحد مجتمعها عقيدة واحدة، إذ أنها دائمًا الرابطة العليا التي تلتقي عندها نوازع الأفراد، فتشدهم بقوة إليها، وتوحد تطلعاتهم وطموحاتهم، وتنظم سلوكهم، متوجهة بهم نحو عاطفة الإخاء والتعاون داخل المجتمع الحضاري الواحد [2] قال تعالى:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا" [3] .
و من ناحية أخرى فإن عقيدة الإسلام تؤمن للمسلمين وحدتهم و تقوى صمودهم للوقوف أمام التحديات الخارجية التي تواجه الوحدة الإسلامية إبان مسيرتها. ذلك أن الدين بعقيدته الإسلامية، عند تمكنه في المجتمع المسلم يشكل في ذاته بؤرة تلتقي عنها الأهداف العليا و تحقق من خلالها الأمة المسلمة آمالها و تعبر عن حسها في الإنجاز والإبداع.
إن التطور والتقدم في العلوم الطبيعية في القرون الأخيرة قد زعزع تملك الشعور الديني للنفوس، وقامت دعوات عديدة تركزت في معظمها على عطاء ما أحرزه الإنسان في حقول العلم التجريبية والطبيعية، فظهرت النظريات العلمية وما يتصل بها من المذاهب الإنسانية الفاشلة، التي في كنفها ظل العالم متظلمًا متصدعًا، وهو الآن يتطلع إلى الوحدة في ظل حضارة تنقذه من ويلات الخوف والرعب والفساد الأخلاقي ودنس الضمير ليمطمئن. فأين يجد العالم اليو وحدة في ظل حضارة تحقق له أحلامه وتطلعاته بعد تلك التجارب الإنسانية القاسية المريرة؟ [4] ولن يجد العالم ما يصبوا إليه في ديمقراطية أوروبا الفاشلة أو الشيوعية الملحدة المنهارة، ولا في علم أمريكا وصواريخها ورؤوس أموالها. ولكنه يظفر بالوحدة الإسلامية في ظل الإيمان بالله تعالى عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومعاملات، بعيدًا عن مظاهر الأزمة الحديثة للحضارة الإنسانية المعاصرة.
(1) العرماني، محمد زين الهادي، منهاج الحياة في الإسلام، ط 1، الرياض، دار العاصمة، 1408 هـ، ص 17، ابن أبي العز، شرح الطحاوية، ص 35.
(2) برغوث، الطيب، منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حماية الدعوى والمحافظة على منجزاتها خلال الفترة المكية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية (17) (المنهجية الإسلامية) ص 252، 253، كمال، يوسف، مستقبل الحضارة، ط 2، المنصورة، 1987، ص 100.
(3) الفتح: 29.
(4) عثمان، موسى حسن، معالم في الثقافة الإسلامية، جامعة أم درمان، ص 12، (بلا. ت) .