الصفحة 26 من 312

إن اعتماد ابن جريج في تفسير كتاب الله - عز وجل - على الأثر واضحًا جليًا، واختلفت الآثار ما بين مرفوع -وهو أقلها- وموقوف وهو كذلك ليس كثيرًا وجامُّها مقطوعًا على التابعين -رحمهم الله- وكم لابأس به عن ابن جريج نفسه وهذا ما سيذكره الباحث في مبحث جهود ابن جريج في التفسير

1)الأثر المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:

{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (التوبة:69)

عن ابن جريج: قال: قال - صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعا بذِرَاعٍ، وَباعا بباعٍ حتى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ} قالوا: وَمن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: {فمن فَمَهُ؟} . [1]

2)الأثر الموقوف

عن ابن جريج، قوله: {كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .... الآية. قال: قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة {كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْرَ ضبّ لدخلتموه." [2] "

3)الأثر المقطوع:

عن ابن جريج عن عطاء في قوله: {يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ} قال: الغنائم.""

رابعًا: السيرة:

إن سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت تعد من الأثر إلا أن الباحث أفردها لأهميتها واعتماد ابن جريج في تفسيره للقرآن الكريم عليها. ونمثل لذلك بما يلي:

قال الله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ} (الحجر:95)

عن ابن جريج، قال: {إنَّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ} قال: كانوا ثمانية هم الوليد ابن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديّ بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، مرّوا رجلًا رجلًا على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومعه جبرئيل، فإذا مرّ به رجل منهم قال جبرئيل: كيف تجد هذا؟ فيقول: {بئس عدوّ الله} فيقول جبرئيل: كفاكه. كلهم مات قبل بدر." [3] ."

مثال آخر:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (النحل:103)

عن ابن جريج، قال:"كانوا يقولون: إنما يعلمه نصرانيّ على المَرْوة، ويعلم محمدا رُوميّ يقولون اسمه جَبْر وكان صاحب كُتُب عبد لابن الحضرميّ، قال الله تعالى: {لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ} قال: وهذا قول قريش إنما يعلمه بشر، قال الله تعالى: {لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ} ." [4] .

خامسًا: الإسرائيليات:

إن كثيرًا من علمائنا مَن أخذ بالقصص والروايات الإسرائيلية، وما هذا إلا بإجازة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قال"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ" [5] هذا الإذن النبوي الكريم فتح الباب عند بعض علمائنا لينهلوا من الإسرائيليات دون تميز فأخذوا يروون ما يعارضه عقيدتنا وقرآننا وما توقف فيه القرآن فلم يصدقه ولم يكذبه، ورووا كذلك ما يصدقه القرآن ومن هذه الأصناف الثلاثة روى ابن جريج، ونمثل له بما يلي:

1)ما يصدقه القرآن

هذه قصة بني إسرائيل في تماريهم بعيسى عليه السلام بعد أن رفعه الله إليه:

عن ابن جريج، قوله: {الَّذِي فيهِ يَمْتَرُونَ} قال: اختلفوا، فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيه، فآمنوا به. وقالت فرقة: بل هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. تبارك وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا. قال: فذلك قوله: {فاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} [6] والتي في الزخرف [7] . قال دِقْيوس ونسطور ومار يعقوب، قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله، وقال الآخر: ابن الله، وقال الآخر: كلمة الله وعبده، فقال المفتريان: إن قولي هو أشبه بقولك، وقولك بقولي من قول هذا، فهلمّ فلنقاتلهم، فقاتلوهم وأوطؤوهم إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلّ قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رُفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الاثنان: كذبت، ثم

(1) روى الطبري في الصفحة السابقة بطريق رقم (36) وهو ضعيف الإسناد، ومثله في الصفحة السابقة/ رقم 13164، بطريق رقم (37) وهو حسن الإسناد غير أنه قال"فمن"، والحديث صحيح رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء/باب ما ذُكر عن بني إسرائيل/ح رقم 3456/ص 282.

(2) روى الطبري م 6/ج 10/ص 225/رقم 13163 بطريق رقم (35) وهو حسن الإسناد

(3) رواه الطبري م 8/ج 14/ص 98/رقم 16188،بطريق رقم (105) وهو حسن الإسناد

(4) رواه الطبري م 8/ج 14/ص 233/رقم 16556،بطريق رقم (9) وهو ضعيف الإسناد

(5) البخاري مع الفتح لابن حجر كتاب أحاديث الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل ج 6/ص 572/رقم 2461.

(6) سورة مريم، الآية 37.

(7) إشارة إلى قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ 81} سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ {82} فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ سورة الزخرف، الآيات:] 81 - 83 [.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت