فابن عباس لم يمتنع من إظهار رايه , وانما امتنع من مناظرة عمر ومحاجته؛ لان ذلك كان منه احتشامًا واجلالًا له كما يكون الشبان مع ذوي الأسنان في كل عصر [1] .
والصحابة - رضي اللَّه عنهم - ومن سار على نهجهم من العلماء الذين سلكوا طريق النصح، وتركوا الغش كانوا ينكر بعضهم على بعض، ويتناظرون، ويتجادلون لتحقيق الحق، وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسألة"الجد والإخوة"حتى أن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:"ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا"، وكذلك مسألة"التحريم"، و"دية الجنين"، وغيرها لا تخفى على أحد، فكل هذا يدل دلالة واضحة على أن المجتهد لا يسكت عن شيء هو يعلم خلافه، بل. يبين رأيه فيها دون إلزام [2] .
والراجح
أنه إجماعا وحجة وذلك لأنه لو اشترط لانعقاد الإجماع: أن يصرح كل مجتهد برأيه في المسألة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبدا؛ لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويسلم الباقون لهم بعد مدة تكفي لبحث المسألة، فثبت أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة فكان إجماعا وحجة ,والله اعلم.
(1) انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي , (2/ 234) , احكام الاجماع والتطبيقات عليها , (62)
(2) انظر: المهذب في علم أصول الفقه المقارن (2/ 940)