ولعل إحساس المستخدمين ما في البناء من تفاعلية هو الذي جعلهم يأتون بالظرف (مع) ليفي بشرط الجمعية.
ولكن ما الخطأ في (تعاونكم) ؟
المعنى الذي يستلزمه التركيب"نشكركم على تعاونكم"هو: نشكركم أنّ بعضَكم عاون بعضًا، وليس هذا مراد المستخدم؛ إذ مراده نشكركم أنكم عاونتمونا، فالشكر للعون أو المعاونة. فينبغي القول: نشكركم لمعاونتنا.
ويبقى أمر آخر وهو أن بعض الأفعال التي تأتي على هذا البناء أي:"تَفاعَلَ"هي أفعال مسندة إلى فاعل واحد، ودلالة البناء في هذه الحالة هي التظاهر بالفعل أو تكلف الفعل، أو غير ذلك من المعاني التي رصدها الصرفيون [1] . مثال ذلك: تجاسر الرجل، وتغافل، وتهاون، وتمادى، وتتابع. وعند تأمل هذه الأفعال يمكن بلطف ردّ هذه الدلالة الفرعية إلى الدلالة الأصلية وهي التفاعلية؛ ذلك أن التفاعلية هنا تفاعلية ذاتية بين الفاعل ونفسه، كأنّ معنى تجاسر الرجل: جاسر نفسَه، وهاون نفسَه، ومادى نفسَه، وتابع الشيءُ نفسَه.
هذا اللفظ من مولدات المحدثين، فيقولون:"فقدت اللجنة مصداقيتها"، وهم يعنون بذلك أن اللجنة فقدت البراهين الدالة على صدقها. ولكن هذا اللفظ حين تلقته الصحافة بدأ الخلط في استخدامه، فقرأنا مؤخرًا في جريدة"الرياض"لسيدة تصف الرجال بأنهم أكثر مصداقية من النساء في أمر من الأمور، وهي تعني أنهم أصدق من النساء في ذلك، ولم تكن بحاجة لاستخدام لفظ (مصداقية) ؛ لأن لفظ (أصدق) أصدق على ما أرادت قوله، ولكنه بريق الألفاظ؛ إذ تكتسب بعض الألفاظ ألقًا مستمدًا من مستخدميها أو مناسباتها فيتعلق بها الناس ويرددونها فهموها أو جهلوها. أما لفظ (مصداقيّة) فهو مصدر صناعي، والمصدر الصناعي هو ما يصاغ بأن تلصق بأي لفظ ياء النسب المشددة وتاء التأنيث: (مصداقية? مصداق+ـِيّة) ، فيقال من (كيف) : كيفيّة،
(1) الشمسان، أبنية الفعل: دلالاتها وعلاقاتها:34.
(2) (*) نشر في رسالة الجامعة العدد (606) .