الصفحة 44 من 64

وفي حديثٍ لَهُ ولابنِ حِبَّان: (( وَأقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجِهِ رَبِّهَا وَهِي فِي قَعْرِ بَيْتِهَا ) ) (1) .

ومعلومٌ أن المخدعَ لا يسعُ الجماعةَ، وكذا قَعْرَ بيتِها وأشدَّ ظلمةً، ولا يَخَفَى ما فيه.

وبتقديرِ التَّسليم فإنَّما يفيدُ نَسْخَ السُّنِّيَّةِ، وهو لا يستلزمُ ثبوتَ كراهةِ التَّحريمِ في الفعلِ بل التَّنْزيهَ، ومرجعها إلى خلافِ الأَوْلَى، ولا علينا أن نذهبَ إلى ذلك، فإنَّ المقصودَ اتباعُ الحقِّ حيثُ كان. انتهى (2) .

أقول: أشارَ بآخر كلامِهِ إِلَى أن كراهةَ التَّحريمِ ليس بحقٍّ، واتباعُ الحقِّ حيثُ ما كان أحقُّ، كيف لا؟ وقد دلتّ آثارٌ وأخبارٌ على المشروعيةِ ولم يتعينْ ناسخٌ لها ولا يصحُّ حملُها على ابتداءِ الإِسلامِ.

والعللُ التي ذكروها للكراهةِ كلُّها معلولةٌ، فغاية ما في البابِ أن تكونَ جماعتُهنَّ خلافَ الأولى نظرًا إلى ظاهرِ ما يفيدُهُ حديثُ أَبِي دَاوُدَ وابنِ خُزَيْمَةَ وغيرِهِم، وهو أمر آخرٌ.

فإن قلتَ: لا دلالةَ للأخبارِ المذكورةِ على الاستحبابِ لجوازِ أن

تكونَ تعليمًا للجوازِ كما أشارَ إليهِ صاحبُ (( الدِّرايةِ ) ).

قلتُ: فهذا القدرُ ينفي الكراهةَ التَّحريميَّةَ، كيف ولو كان كذلك لَمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم أمَّ وَرَقَةَ بما أَمَرَها، ولَمَا ارتكبتْ عائشةُ وأمُّ سَلَمَةَ فعلها.

والظَّاهرُ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ أشارَ في كتابِ (( الآثارِ ) )إلى هذا، حيثُ قال: لا يعجبنا، على ما مرَّ نقله (3) في المرصدِ الأَوَّل.

(1) في (( صحيح ابن حِبَّان بترتيب ابن بلبان ) ) (327:1) ، رقم (756) .

(2) من (( فتح القدير ) ) (1: 307) .

(3) ص 18).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت