وتاسعها: أن ما استدلوا به على كراهةِ تَوَسْطِ الإمامِ ومحظوريتِهِ من أَنَّهُ ممَّا واظبَ عليه النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وما واظبَ عليه فهو واجبٌ أو سنةٌ مؤكدةٌ، وتركُهُ مكروهٌ أو محرَمٌ أيضًا مخدوشٌ بأنَّ الثَّابتَ بالمواظبةِ إنَّما هو التَّقدُّمُ في حقِّ الرِّجال لا في حقِّ النِّساءِ، وكم من أحكامٍ افترقتْ النِّساءُ فيها عن الرِّجالِ، ولم يَثْبُتْ عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم ما يدلُّ على محظوريتِهِ في حقِّ النِّساءِ أيضا، ً بل ثَبَتَ عن الصَّحابةِ خلافُهُ هذا ما خَطَرَ بالبالِ، والله اعلمُ بحقيقةِ الحالِ.
وخلاصةُ الكلامِ في هذا المقامِ:
أن ما علَّلوا به كراهةَ جماعةِ النِّساءِ وحدَهنَّ من استلزامها أحد المحظورينِ التَّقدُّم والتَّوَسُط مخدوشٌ بعدم تسليمِ محظوريةِ التَّقدُّمِ، وعدَّمِ تسليم استلزامِهِ للكشفِ المحظورِ، وعدمِ تسليم كراهةِ التَّوسط مطلقًا لا سيما في حقِّ النِّساءِ، وبالنَّقضِ بجماعتهنَّ في صلاةِ الجنازةِ.
ما ذَكَرَهُ الإَِتْقَانيّ في (( غاية البيان ) ) (1) بقوله عند الشَّافِعِيّ: يستحبُّ جماعةُ النّساءِ.
لنا أنَّها لو كانتْ مستحبَّةً لَبَيَّنَها النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم فتكونُ (2) جماعتهنَّ بِدْعَةٌ فَتُكْرَهُ (3) . انتهى.
(1) غاية البيان ونادرة الأقران شرح الهداية )) للعلامة أبي حنيفة قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر ابن أمير غازي الإَِتْقَانيّ الفَارَابي الحَنَفي، نسبة إلى فاراب ناحية وراء نهر سيحون، وإِتْقَان قصبته، (685 - 758 هـ) . (( الفوائد ) ) (ص 87) .
(2) في الأصل: (( فيكون ) ).
(3) في الأصل: (( فيكره ) ).