الصفحة 42 من 48

و الخامس و هو البصر النافذ في الأمور سواء كانت الأخروية أو الدنيوية الذي يفكر يعرف الأمور معرفة صحيحة بخلاف الذي يأتي كيفما اتفق و يقع على الأمر كيفما حصل فإن الذي يفكر يوجب له هذا التفكير انكشاف حقائق الأمور أيًا كانت و تتميز مراتبها أمام عينه في الخير و الشر و يعرف المفضول من الفاضل و القبيح و الأقبح و يعرف الأسباب الموصلة إليها و ما يقاوم تلك الأسباب و ما يدفع موجبها و يميز بين ما ينبغي السعي في تحصيله و ما ينبغي السعي في دفع أسبابه و يفرق بين الوهم و الخيال و الأمور الممكنة والأمور الفرضية المستحيلة و ينتهز الفرص في أوقاتها و يشتغل بما ينفعه دائمًا فتحصل له سعادته و فلاحه كما قال ابن القيم رحمه الله فالله عز و جل أودع الإنسان هذه القوة التي هي كنز من الكنوز يثمر أعظم الثمار فإذا استعملها فيما يجدي فإنه يحصل ألوان المنافع حتى الصنائع في الدنيا فإنما تستخرج و يتوصل إليها بالتفكير حتى ألوان المنافع من الطب و الخبرات في الهندسة و الرياضيات و غيرها إنما يُتوصل إليها بطول النظر و التفكير و لذلك فإن هذه الأفكار إذا وجدت و استقرت و رسخت تحولت و تبرمجت إلى واقع عملي فعمرت الحياة و قامت الحضارة و حصل الناس ألوان التسهيلات و المنافع و الأمور التي تدفع عنهم الأتعاب و يستروحون إليها فتكون الحياة سهلة يتغلبون فيها على العسر و ألوان الشدائد و لولا التفكير بعد الله عز و جل لما توصل الإنسان إلى أنواع المنافع في حراثته و صناعته و طبه و في كل شأن من شؤونه و لذلك لما كان المجنون و البهيمة لا تفكير لهما فإنهم لا يترقون و لا يتقدمون هل ترون البهائم تتقدم و تتطور؟؟ أبدًا لأنها حرمت هذه النعمة فالتفكير أيها الإخوان يكون بمنزلة الخياط الذي يقدر الثوب و يحسب المقاسات ثم يبرمج ذلك إلى عمل فيقص هذا الثوب ثم يخيط أطراف هذا الثوب فيمكن الانتفاع به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت