و أمر سادس مما يثمره التفكير و هو العمل للآخرة كما قيل لو طالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قدر في حجب الغيب من خير الآخرة لم يصفا لهم في الدنيا عيش و لم تقرّ لهم فيها عين هم خُلقوا للآخرة يقول الحسن 'من لم يكن كلامه حكمة فهو لهو و من لم يكن سكوته فكرًا فهو سهو و من لم يكن نظره اعتبارًا فهو لهو' وكتب مرة لعمر بن عبد العزيز واعظًا يعظه الحسن البصري يقول' اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير و العمل به و الندم على الشر يدعو إلى تركه و ليس ما فني و إن كان كثيرًا يعدل ما بقي و إن كان طلبه عزيزًا و احتمال المُئنة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئنة باقية' و يقول ابن عباس ' التفكر في الخير يدعو إلى العمل به و الندم على الشر يدعو إلى تركه و إذا كان هم العبد و هواه في الله عز و جل جعل الله صمته تفكرا و كلامه حمدا' و قد أحسن من قال:
إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوى لما أخشى
فكرت في الدنيا و عالمها فإذا جميع أمورها تفنى
و بلوت أكثر أهلها فإذا كل امرئ في شأنه يسعى
أسمى منازلها و أرفعها في العز أقربها من المهوى
تعفو مساويها محاسنها لا فرق بين النعي و البشرى
و قد مررت على القبور فما ميزت بين العبد و المولى
أتراك تدري كم رأيت من الأحياء ثم رأيتهم موتى