ثم هل يريد العنبري أن يقول: إن من فتح باب الردة على مصراعيه وأذن لمن يشاء أن يكفر، وأن يدعو لكفره، وأذن ببناء الكنائس والمشاهد في بلاد المسلمين، ودافع عن أهلها وساوى بينهم وبين الموحدين في جميع الحقوق، وأعطاهم مطلق الحرية ... هل يريد العنبري أن يقول: إن هذا لا يكفر حتى يعتقد بقلبه حل ذلك وجوازه؟! ... فما هو الكفر بالطاغوت إذن، وما هي ملة إبراهيم وما دين محمد صلى الله عليه وسلم؟!
ثامنًا:
قال العنبري في كتابه [ص: 144] : (واعترض بعضهم بأن ثمة فرقا بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم:(ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة"وبين كفر منكر في الإثبات) ، ثم قال: (والجواب أن هذه القاعدة لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قول أحد من متقدمي الأمة) ."
والرد عليه: أن هذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"الاقتضاء" [1/ 208] ، وكثيرًا ما يستدل بها أهل العلم - كالشيخ ابن عثيمين حفظه الله كما في رسالته في"تكفير تارك الصلاة"، وكذلك في"القول المفيد" [2/ 216] - ولم نسمع من ينكر هذه القاعدة أو ينتقدها، فليخبرنا العنبري قبل كل شيء مَن مِن العلماء يخالف شيخ الإسلام بهذا، حتى يتضح عندنا أن في المسألة خلافا، فلن نترك ما قرره شيخ الإسلام بناء على استقرائه لأدلة الكتاب والسنة لقول العنبري.
وأما قول العنبري أن هذه القاعدة لا دليل عليها فباطل، بل الأدلة كلها تؤكد ما قرره شيخ الإسلام رحمه الله.
فخذ مثلا من القسم الأول المعرف باللام؛
-ما رواه البخاري في صحيحه [16] عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) .
-وما رواه البخاري أيضا [1589] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكة: (منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر) .
-وما رواه مسلم في صحيحه [86] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان يمان والكفر قبل المشرق ... الحديث) .
وخذ من القسم الثاني:
-ما رواه البخاري في صحيحه [6766] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر) .
-وما رواه البخاري في صحيحه [48] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) .
-وما رواه مسلم في صحيحه [121] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) .
فهذه بعض الأمثلة على القسمين تبين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - فما جاء معرفا باللام فالمقصود به الكفر الأكبر، وما جاء منكرًا في الإثبات فالمقصود به الكفر الأصغر.
وأما استدلال العنبري لنقض هذه القاعدة بقول امرأة ثابت بن قيس"ولكني أكره الكفر في الإسلام"، وقول ابن عباس رضي الله عنهما عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ فقال:"ذلك الكفر".
فالجواب: أنه ليس من الإشكال أو النقض على القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام أن يخرج بعض النصوص بقرينة أو بدليل آخر إذا كانت النصوص عامة منسجمة مع هذه القاعدة، فمعنى كلامه رحمه الله أن الأصل في لفظ"الكفر"في الكتاب والسنة أنه إن عرف باللام فالمراد به الكفر الأكبر، وإن كان منكرا في الإثبات فالمراد به الكفر الأصغر.
وأما قول امرأة ثابت:"ولكني أكره الكفر في الإسلام"؛ ففيه قرينة تدل على أن المراد بالكفر هنا الأصغر لا الأكبر، وذلك من قولها"في الإسلام"حيث قيدت هذا الكفر بكونه في الإسلام فدل على أن الكفر الغير مخرج من الإسلام، لأن الكفر الأكبر لا يكون في الإسلام ولا يجتمع معه أبدا بل أحدهما ينافي الآخر، وعليه فلا يكون في الحديث دليل للعنبري.
وأما استدلاله بقول ابن عباس رضي الله عنهما؛ فلا يستقيم، لأن المقصود بكلام الشيخ ما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة، فلا يدخل فيه كلام الصحابة ولا غيرهم، وإنما بينت أن قول امرأة ثابت لا يشكل على ما ذكره شيخ الإسلام لئلا يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على هذا الإطلاق، والله أعلم.
وبعد هذا؛ فكتاب العنبري مليء بمثل هذه الأخطاء والمغالطات، واكتفي بهذا الحد من الرد عليه ففيه الكفاية إن شاء الله تعالى لمن تجرد للحق وإليك فصلًا أخيرًا في بيان بعض الشبه الأخرى حول هذه القضية وتصحيح بعض المفاهيم.
والله المستعان.