تحقيق معنى قول السلف؛"كفر دون كفر"
ذكر العنبري في قاعدته الأولى وقرر في كتابه أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا جحد حكم الله، أو استحل الحكم بغير ما أنزل الله، واستدل على ذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] .
من أنه ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وأنه كفر دون كفر، ثم نزل هذا الحكم في قاعدته الثانية على من حكم بالقوانين الوضعية ثم زعم بعد ذلك في مطلبه العزيز إجماع السلف والخلف من أهل السنة على ذلك.
والرد عليه أن نقول: إن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف هو الحق الذي لا مرية فيه.
قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في"التبيان" [ص: 38] : (وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله؛ كفر دون كفر، فلا يثبت عنه، فقد رواه الحاكم في مستدركه [2/ 313] من طريق هشان بن حجير عن طاوس عن ابن عباس به، وهشام ضعفه أحمد ويحي.
وقد خولف فيه أيضًا فرواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال:"هي كفر".
وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس أي أن الآية على إطلاقها، وإطلاق الآية يدل على أن المراد بالكفر هو الأكبر، إذ كيف يقال بإسلام من نحى الشرع واعتاض عنه بآراء اليهود والنصارى وأشباههم.
فهذا مع كونه تبديلا للدين المنزل هو إعراض أيضا عن الشرع المطهر، وهذا كفر آخر مستقل.
وأما ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس: أنه قال؛ ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا، فليس مراده أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر.
ومن فهم هذا فعليه الدليل وإقامة البرهان على زعمه، والظاهر من كلامه أنه يعني أن الكفر الأكبر مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض، فكفر من كفر بالله وملائكته واليوم الآخر أشد من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله.
ونحن نقول أيضا: إن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أخف من كفر بالله وملائكته، ولا يعني هذا أن الحاكم مسلم , ان كفره كفر اصغر، كلا بل هو خارج عن الدين لتنحيته الشرع، وقد نقل ابن كثير الإجماع على هذا، فانظر"البداية والنهاية" [19/ 113] .
وهو عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن تنزيله على من شرع من دون الله فجعل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، وأوجب ما لم يوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في القوانين الوضعية لا شك أنه خطأ وسوء فهم.
وذلك أن الحكم بغير ما أنزل الله له صور كثيرة، فمنها ما يكون شركًا ومنها ما يكون معصية، وضابط ذلك أنه إن كان فيه شرك كالتشريع من دون الله، وتحريم الحلال أو تحليل الحرام، فإنه يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام، وأما إن كان الحكم بغير ما أنزل الله مجرد معصية كعدم تطبيق حكم من أحكام الله، أو التقصير في إنفاذ حد من حدود الله على مستحقه، أو التعدي والجور بعقاب من لا يستحق العقاب فإنه كفر دون كفر لا يكفر فاعله إلا أن يستحله وذلك كالمستحل لسائر المعاصي.
فحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره وتعميمه على جميع هذه الصور بما فيها الصور الشركية؛ باطل من وجوه:
أولًا:
إن معرفة دين الإسلام، ومعرفة التوحيد الذي جاءت به الرسل يأبى ذلك، فالتوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما اختص به، والله سبحانه وتعالى قد اختص بأشياء منها العبادة ومنها الخلق والرزق والتدبير، ومنها الحكم والتشريع أيضًا، ولا يخالف العنبري في كون التشريع حقًا خالصًا لله تعالى، فإن تقرر ذلك أعني كون إفراد الله سبحانه بالتشريع من التوحيد، فإن ترك العمل به يكون كفرًا.
كما قرر ذلك شيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حيث قال في أواخر"كشف الشبهات": (لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما) اهـ.
وترك العمل بالتوحيد هو العمل بضده وهو الشرك الأكبر الذي هو مساواة العبد غير الله بالله فيما اختص به الله، فمن صرف شيئًا اختص الله به لغيره فقد أشرك شركًا أكبر، كالذي يعبد غير الله، أو يدعي على الغيب من دون الله، أو يشرع من دون الله، وهذه قاعدة مضطردة لا استثناء فيها.
بل قد ذكر الشيخ الشنقيطي رحمه الله أن الإشراك في العبادة والإشراك في الحكم لهما نفس الحكم، ولا فرق بينهما، حيث قال في أضوائه: (فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته) [أضواء البيان: 7/ 126] .
وقال أيضا: (الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله ... من كان يفعل هذا ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله، هذا اشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه كلهما سواء) [أشرطة الشيخ في تفسير براءة، عند قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا} ] .
فهذا كلام الإمام الشنقيطي رحمه الله واضح جدًا في الحكم بالشرك على المتبع لنظام وتشريع غير تشريع الله، لا كما يزعم العنبري؛ أن إطلاق الحكم بالشرك على من نازع الله في تشريعه لا يستقيم على أصول أهل السنة، بل إن قوله هو الذي لا يستقيم على أصول أهل السنة، إذ كيف يكون التشريع حقًا خالصًا لله ثم لا يكون مشركًا من صرفه لغيره؟!
إذن فمعرفة أصل الإسلام وهو التوحيد، ومعرفة ما يضاده وهو الشرك يأبى هذا التعميم من العنبري وأمثاله لقول ابن عباس رضي الله عنهما، فيجب حمل قوله على ما لا يخالف هذا الأصل الأصيل والركن الركين، وذلك بحمله على الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.
ثانيًا:
أن العلماء قد أجمعوا على كفر من بدل الشرع وحكم بشريعة غير شريعة الإسلام.
قال العلامة ابن كثير رحمه الله: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) [البداية والنهاية: 13/ 128] .
فابن كثير رحمه الله يذكر أن من حكم بشريعة منسوخة كفر بالإجماع، فمن باب أولى من حكم بشريعة ليس لها أصل وغير مستمدة من السماء، كما هو الحال في الياسق، وكذلك القوانين الوضعية.
ولا يسعف العنبري صرخات الاستغاثة التي أطلقها في فصله الأخير وما نسجه من سخافات لتكذيب هذا الإجماع، حيث زعم أنه خاص بالتتار، فكلام ابن كثير بين أيدينا وهو أوضح من شمس النهار، فهو يقول:"فمن ترك"، و"من"من صيغ العموم كما هو معلوم، وإنما ضرب ابن كثير رحمه الله مثلًا بالتتار بعد ذكر الحكم العام، فكيف وبأي لغة يزعم العنبري أن كلامه خاص بالتتار؟!
فإن أبى العنبري إلا هذا الفهم السقيم فهل كفر الحاكم بالشرائع المنسوخة خاص بالتتار أيضًا؟ ولماذا لم ينص ابن كثير رحمه الله على هذا التخصيص ويطلق العمومات على غير وجهها؟
ثم إن تلبس التتار بنواقض أخرى غير هذا الناقض لا يصلح تقيدًا لهذا الناقض، وأنه لا يكفر المستبدل للشريعة إلا إن تلبس بمثل ما تلبس به التتار من نواقض، فلا ندري ما وجه الربط وهذا التقييد! فقد يتلبس الشخص بأكثر من ناقض، ويجتمع فيه أكثر من مكفر.
ولو أردنا أن نجمع ما في أصحاب هذه القوانين من نواقض، لقلنا:
1)إنهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، لقولهم إنه لا تمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين.
2)وإنهم يسوغون الكفر، لقولهم إن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة تقوم بحماية شعائر الأديان.
3)وإنهم يحلون الربا، ويحلون الزنا، ويحرمون الجهاد.
4)وإنهم يثنون على هذه القوانين ويمدحونها ليل نهار، ويصفونها بأنها عادلة نزيهة، والله جل وعلا يقول إنها ظالمة.
وكل هذه بمفردها ناقض من نواقض الإسلام، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فكون التتار أكفر منهم ليس دليلًا على عدم كفرهم!
وممن نقل الإجماع أيضًا الإمام إسحق بن راهويه، كما نقله عنه ابن عبد البر في"التمهيد" [4/ 226] حيث قال: (وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر) .
فما هي يا عنبري صورة دفع شيء أنزله الله مع الإقرار به؟! وأنت تزعم أنه لا يكفر إلا إذا جحد واستحل؟ لا شك أن هذه الصورة تتمثل بأن يرده فيقول: الربا ليس بحرام، وهو مقر بحرمته، أو يجعل عقوبة الزنا السجن أو الغرامة المالية، وهو مقر بأنه الرجم أو الجلد، بخلاف من حكم بشريعة الله ثم لم يرجم الزاني المحصن لكونه قريبًا له - مثلًا - فهو لم يدفع حكم الله وإنما لم يطبقه في هذه الواقعة.
وممن نقل الإجماع أيضًا الشيخ عمر الأشقر حفظه الله، حيث قال: (ومن خلال هذا التفصيل؛ يتبين لنا أن صنفين من الناس وقعا في الكفر الذي لا شك فيه؛ الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله، وهؤلاء هم الذين وضعوا القوانين المخالفة لشرع الله حيث يلزمون بها العباد، والإجماع على كفرهم لا شك) [الشريعة الإلهية: 179] .
وممن نقل الإجماع أيضًا الشيخ محمود شاكر رحمه الله حيث يقول في تعليقه على الطبري [تفسير الطبري: 10/ 348] : (فلم يكن سؤالهم - يعني سؤال الإباضية لأبي مجلز عن تفسير الآية - عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار أحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم، في تكفير القائل به والداعي إليه) اهـ.
فهذا كلامه صريح رحمه الله في حكم هذه القوانين، ولا عبرة بمناورة العنبري في كتابه [ص: 130 - 131] حيث جعل المخالفين له يستدلون بكلام الشيخ على من يقول بقوله، وإنما نحن نستدل به على أهل القوانين أنفسهم، وأما من يقول بقول العنبري من العلماء المعاصرين؛ فعلى الرأس والعين، وكل يؤخذ من قوله ويرد، وأما إن كان من يستدل بأثر أبي مجلز يريد بذلك نصرة السلطان، أو تسويغ الحكم بهذه القوانين، فحكمهم كما ذكر الشيخ محمود شاكر رحمه الله.
ولم يجرؤ العنبري على ذكر كلام الشيخ محمود كاملًا في كتابه، لأن فيه ما يرد عليه وعلى أمثاله، وأوهم أننا نستدل به للتشنيع على مخالفينا فقط!
وبعد هذا التحقيق للإجماع نقول: إن الإجماع يخصص كتاب الله، ويخصص سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يخصص به قول الصحابي.
قال الشيخ سليمان بن ناصر بن العلوان حفظه الله: (هذا إذا صح الإسناد إليه مع أننا نرى ضعفه كما سبق بيانه) .
وإنما ينزل قول الصحابي، أو غيره من العلماء على ما لا يخالف الإجماع الذي نقله الأئمة، وذلك بحمله على الصور التي تقدم ذكرها، وأما من خالف من العلماء المعاصرين فالإجماع الذي سبقهم حجة عليهم، والحق أحق أن يتبع.
ثالثًا:
إننا نستخلص من كلام السلف في قولهم كفر دون كفر، أنهم يريدون به الانحرافات الجزئية في التطبيق، وهذا واضح في أثر أبي مجلز رحمه الله عندما ناقش النفر الإباضية فقالوا له:"أرأيت قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، {فأولئك هو الظالمون} ، {فأولئك هم الفاسقون} أحق هو؟"، قال:"نعم"، فقالوا:"فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟"، فقال:"هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا".
والشاهد من قوله:"هو دينهم الذي يدينون به"، ومعلوم أن القانون والحكم دين كما قال جل وعلا في سورة يوسف: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} [يوسف: 76] ، والمقصود بدين الملك حكمه وقانونه.
قال ابن كثير رحمه الله: (أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر) [تفسير ابن كثير: 2/ 467] .
وقال القاسمي في تفسيره: (ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر دينًا) [محاسن التأويل: 4/ 386] .
فعلم أن قول أبي مجلز رحمه الله:"هو دينهم الذي يدينون به"، أي حكمهم الذي يحكمون به، لأن الضمير في قوله"هو"يعود على الحكم بما أنزل الله، وعلمنا أن المقصود بقوله الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.
وأيضًا قوله:"فإن هم تركوا شيئًا منه"يعلم منه أنه لا يمكن أن ينزل على من لا يطبق من الشريعة إلا ما جرى به العرف والعادة كأحكام الطلاق والنكاح وغيرها.
ويستأنس لهذا أن السلف لم يكن معروفًا في عصرهم هذا الاستبدال الشبه كامل لشريعة الله سبحانه، وإنما وجد في عصرهم الانحرافات والتجاوزات في تطبيق الأحكام.
فيجب أن يعلم في حق من تقال هذه الكلمة"كفر دون كفر"، وأن السلف أرادوا بها الرد على الخوارج الذي كفروا الأئمة بمجرد الظلم والجور مع التزامهم بالشريعة، واعترافهم بالذنب.
ومن خلال هذه الأوجه التي ذكرت يتبين لنا أن قول السلف"كفر دون كفر"حق، ولكن يجب أن ينزل على ما لا يخالف أصل الدين أو يخالف الإجماع، أو يخالف مراد السلف من هذه العبارة.
قال الشيخ بن جبرين حفظه الله: (وروي عن ابن عباس أنه قال:"كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق"، ولعل ابن عباس رأى هذا فيمن حكم مرة واحدة في جميع أحكامه، أو في رجل مسلم يحكم بالشريعة لكن زينت له نفسه أن يحكم بغير الشرع لكن غير منتقص للشرع) [فوائد من شرح كتاب التوحيد: 105] .